آخر تحديث: 26 / 4 / 2018م - 3:09 ص  بتوقيت مكة المكرمة

اليد اليسرى التي رسمت الخلود

فاضل العماني صحيفة الرياض

الكتابة عن السير والشخصيات الملهمة، تحليق ماتع في فضاءات الدهشة والذهول، وغوص غائر في أعماق الإصرار والصمود. في قصص الخالدين، زوايا تُحرّض على مواجهة الظروف، وثنايا تُصرّ على مواصلة الطريق.

حينما تكتب عن أيقونة ملهمة، حددت لها موعداً خالداً مع المجد، فأنت ترسم لوحة كونية، تسحر كل العيون والقلوب، بل أنت تعزف سيمفونية باذخة، تأخذ كل المشاعر والألباب. وهنا، لا يهم، من تكون هذه الأيقونة، ففعل الدهشة ومفعول السحر، هما سر الخلود.

في مثل هذا اليوم، الثامن من أبريل من عام 1973، رحل أحد أعظم الرسامين والنحاتين في القرن العشرين، ومؤسس المدرسة التكعيبية في الفن التشكيلي، الفنان الإسباني غريب الأطوار بيكاسو.

ولد بابلو خوسيه بلاسكو في 25 أكتوبر من عام 1881، في مدينة ملقا بجنوب إسبانيا، وكان الابن الأول لأسرة متوسطة الحال، وكان والده خوسيه رساماً ومعلماً للرسم، وأمه ماريا بيكاسو ربة بيت بسيطة، وقد أخذ منها الاسم الذي اشتهر به. ومنذ طفولته المبكرة، عشق بابلو الرسم، ولم يُبدِ اهتماماً بالمدرسة، وكان لا يُريد شيئاً آخر غير الرسم.

وخلال صباه وطفولته، تعرض بابلو للكثير من الصعوبات والتحديات، وعانى من الفقر والفشل، بل اضطر في كثير من الأحيان لحرق بعض رسوماته ليشعر بالدفء في ليالي الشتاء القارس. وحينما بدأ بعرض لوحاته التي كانت مختلفة عن السائد، لم تعجب المهتمين بالفن، لدرجة أن أحد سماسرة اللوحات الفنية قال عن رسوماته بأنها أعمال رسام مختل.

وقد تنقل بيكاسو في العديد من العواصم الأوروبية، وعرض لوحاته في الكثير من المعارض الفنية، وحققت لوحاته شهرة عالمية، وأصبح أحد أشهر الرسامين في العالم وهو على قيد الحياة، وهذا الأمر لم يحدث للأغلبية من المشاهير في الفن التشكيلي.

لم يكن بيكاسو يبيع لوحاته إلا حينما يحتاج للمال، وتحتل لوحاته الشهيرة كالجورنيكا وعازف الجيتار العجوز ودون كيشوت والفتاة بيرفوت ورجل يقود حصاناً وصبي وغليون المراتب الأولى كأهم وأغلى اللوحات الفنية في التاريخ.

وفي مثل هذا اليوم من عام 1973، رحل الفنان الخالد بابلو بيكاسو عن عمر 91 عاماً، قضى منها ثمانية عقود يستخدم يده اليسرى التي حوّلت الألوان الصاخبة إلى لوحات خالدة.

لقد آمن ذلك الشاب المتسكع في شوارع أوروبا بموهبته وعبقريته، وقهر كل الظروف والصعاب التي واجهته، واستطاع أن يصنع من اسمه أيقونة خالدة على مر العصور.