آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 12:08 ص

مقاربات بين انتفاضة الحجارة ومسيرات العودة

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

خمسة أسابيع مرت منذ، بدأت مسيرات العودة، منطلقة من قطاع غزة، باتجاه الخط الفاصل مع حدود فلسطين المحتلة. والهدف هو تذكير العالم، بأن هناك شعباً فلسطينياً، حرم من العودة إلى دياره، منذ سبعين عاماً، وأن هذا الشعب لن يتردد في تقديم الغالي والنفيس، والتضحية بالنفس، من أجل اكتساب حقه في العودة إلى وطنه.

واقع الحال، أن هذه الاحتجاجات الفلسطينية، التي تنطلق في الغالب من قطاع غزة، قد بدأت منذ عدة أشهر، بوتائر مختلفة، ولكنها مستمرة، حين أعلن الرئيس الأمريكي، ترامب قراره بنقل سفارة بلاده إلى مدينة القدس، وأن ذلك سيأخذ مكانه، في شهر مايو/‏ أيار مع احتفال «الإسرائيليين» بتأسيس كيانهم الغاصب. لكنها في الأسابيع الخمسة الأخيرة، أخذت وتائر أعلى من السابق.

والمؤشرات توضح، أنها سوف تأخذ وتائر أعلى مما كانت عليه في السابق، إلى حين تبلغ ذروتها مع تنفيذ ترامب وعده بنقل سفارة بلاده في الشهر القادم.

المقاربة بين انتفاضتَي أطفال الحجارة في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، وبين مسيرات العودة، تصب في معظمها لصالح الانتفاضة الأولى، وذلك لعدة أسباب.

انتفاضة أطفال الحجارة، كما الأخيرة، انطلقت بشكل عفوي، ولكن عمودها الفقري هم الأطفال، وكان لذلك وقع إيجابي على مستوى العالم بأسره، حيث أبرزت الانهيار الأخلاقي لجيش الاحتلال، الذي تفنن في قتل الأطفال.

والعامل الآخر، هو أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، في حينه لم تكن مكبلة بأية اتفاقات أو معاهدات مع العدو «الإسرائيلي»، وكانت في وضع صعب قبل انطلاق الانتفاضة، ووجدت فيها ملجأ للخروج من مأزقها. وبسبب ذلك احتضنت هذه القيادة الانتفاضة، وقدمت لها مختلف أشكال الدعم. وقد أثار هذا الدعم غضب العدو، فكان أن قام باغتيال الشهيد خليل الوزير، في تونس حيث يقع مقر منظمة التحرير الفلسطينية، منذ تمت مغادرة قيادتها للأراضي اللبنانية، بعد الغزو «الإسرائيلي»، للعاصمة اللبنانية بيروت.

أدى الدعم المتزايد للانتفاضة الأولى من قبل القيادة الفلسطينية، إلى استعار أوارها وتمددها عبر الساحة الفلسطينية بأسرها، وإلى استمرارها بشكل يومي، ومن غير انقطاع، مدعومة بتأييد شعبي عربي، وتعاطف عالمي.

العنصر الآخر، الذي دعم الانتفاضة، هو وضوح أهدافها منذ اللحظة الأولى، وأيضا كون هذا الهدف، يحظى بتأييد عربي ودولي عارم.

وقد أربك عنصرا استمرارية الانتفاضة وتمددها حكومة الاحتلال، وشل من قدرتها على الفعل، ودفعها عبر وسطاء للتفاوض مع منظمة التحرير من أجل التوصل لاتفاقية سلمية، تمخضت عنها لاحقاً اتفاقيات أوسلو عام 1993.

الوضع الحالي للقيادة الفلسطينية، ليس في صالح مسيرات العودة. فهناك أولاً سلطتان، تتناحران مع بعضهما. وقد فشلت كل المحاولات، حتى هذه اللحظة في تحقيق مصالحة فلسطينية، بين قيادتَي «فتح» و«حماس». وآخرها مسعى الحكومة المصرية، لوضع حد للصراع، بين قيادتَي رام الله وغزة، وللأسف انتهت هذه المحاولة إلى الفشل.

هنا نلحظ، جملة من الأسباب ترجح إمكانية استمرارية مسيرات العودة في قطاع غزة، وتعثرها بالضفة، والداخل الفلسطيني. أهم هذه الأسباب، أن قيادة «حماس» لا تزال غير مكبلة بأي اتفاق أو معاهدة مع الاحتلال «الإسرائيلي»، في حين أن الأمر ليس كذلك مع الضفة الغربية.

صحيح أن حكومة الاحتلال، لم تلتزم بأي بند من اتفاقية أوسلو، ورغم ذلك فإن قيادة السلطة الفلسطينية، لا تزال تلتزم بنصوص هذه الاتفاقية، بما في ذلك التنسيق الأمني.

الجانب الآخر، أنه يوجد في الضفة الغربية، ما يشبه الدولة من هياكل ومؤسسات ومكاتب، وأن هناك عشرات الألوف من الموظفين، وشيئاً من البحبوحة والرفاهية، بالمقارنة مع أوضاع قطاع غزة المزرية، التي تعتبر من أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكان، على المستوى العالمي. يضاف إلى ذلك، حصار اقتصادي جائر على القطاع، تسبب في حرمان الفلسطينيين من العلاج والوظيفة والمسكن، وحال بينهم وبين حيازة الحقوق الإنسانية، الأساسية للعيش الكريم.

إن مسيرات العودة المنطلقة من غزة، تحمل أهدافاً معلنة وأخرى مضمرة، فهي احتجاج مضمر على القهر والجوع والحصار الاقتصادي، وهي مطالبة بالتحرير والاستقلال، وهي نضال من أجل العودة إلى الديار، وهي احتجاج على الفرقة والتمزق، وغياب الوحدة بين الفلسطينيين، والجياع الفلسطينيون، بهذا التحدي، لن يخسروا سوى قيودهم.

اختطفت انتفاضة أطفال الحجارة وجيرت الدماء الطاهرة، لصالح مشاريع التسوية، وانتهت بتوقيع اتفاقية لا تسمن ولا تغني من جوع، هي اتفاقية أوسلو، تقيدت بها السلطة الفلسطينية.

انتفاضة مسيرات العودة، هي خطوة لا يمكن التقليل بأي حال من الأحوال من نبلها وشأنها. ولكن شرط نجاحها، هو بالدرجة الأولى تحقيق مصالحة بين الضفة والقطاع، ووضوح الأهداف، والتمدد في الزمان والمكان. بمعنى أن تتحول إلى فعل نضالي يومي، وأن تشمل كل الأراضي الفلسطينية. وأن يقف خلفها دعم عربي شعبي، في أرجاء الوطن العربي.