آخر تحديث: 29 / 3 / 2020م - 1:51 ص  بتوقيت مكة المكرمة

”بناء“... حضن الوطن الدافئ

جلال عبد الناصر *

ارتسمت على أعين الاهالي فرحة كبيرة كانوا قد انتظروها منذ سنين. فعودة الانسان إلى أحضان والديه أو إلى زوجته وأبنائه لا تقارن بأية عودة، خصوصا عندما يكون ذلك الغياب نتيجة لما اقترفته يد الانسان من خطأ وبلغة أخرى عودة السجين إلى اهله.

والسجن كما هو معروف على مر العصور، هو ذلك المكان الذي تصادر فيه الكثير من الحقوق ويتحول فيه الانسان إلى ما هو أشبه بالإنسان. فيفقد الكثير من خصائصه التي اعتاد عليها، كأن يحرم من ما لذ وما طاب له، أو أن تنقطع عنه أخبار العالم الخارجي ويصبح في عزلة تامة عن العالم، وتحجب عنه وسائل المعرفة والترفيه. فيخرج السجين محطم لا يستطيع مواجهة أبسط الظروف.

ولكن المشهد الذي حدث في حفل عودة المستفيدين لأسرهم ليس هو المشهد الذي ارتسم على مخيلتك عزيزي القارئ عن عذاب ومعاناة السجون. فبرنامج الرعاية والتأهيل ”بناء“ يقف خلفه نخبة من المختصين من ذوي الخبرة كانوا قد أقسموا على العمل لبناء وإعادة الشباب الذين كانوا قد أخلوا بأمن واستقرار الوطن وإعادتهم نحو جادة الصواب. فأخذوا يتعرفون على مشاكلهم النفسية والاجتماعية والاسباب التي ادت بهم إلى خوض تلك التجربة، فرسموا الخطة وحفروا لهم القاعدة. وأي قاعدة تلك؟!.. فالمستفيد لدى برنامج الرعاية والتأهيل ينعم بشعور يمنحه الأمل والثقة بالنفس نحو بالعودة للمجتمع، ليزرع ويحصد ويشارك في تقدم الوطن عن طريق تجاوز كل التحديات والمعوقات مهما اختلف شكلها. فبدأ من الرعاية النفسية التي يتم يكتسب فيها على مهارات جديدة اعتمادا على تصحيح أفكاره، منتهيا بتدريبه على كيفية اجتياز المقابلة المهنية وكيفية كتابة السيرة الذاتية بكل حرفية. وليس هذا فحسب وإنما يتم توظيفه في المكان المناسب عن طريق إحدى لجان البرنامج.

وما يثير الانتباه بالفعل هو ارتفاع الحس الانساني لدى الاعضاء في إدارة البرنامج، الذين لا ينظروا لمذهب المستفيد شيعي كان أم سني. وخير دليل على ذلك عندما قرر أحد المستفيدين من الشيعة الزواج، تحولت الصالة الرياضية لقصر أفراح وتم منح المستفيد مع زوجته إجازة في إحدى المنتجعات السياحية.

إضافة إلى منح المستفيدين الحق في مواصلة الدراسة وتشجيعهم على ذلك. وليس هذا فحسب وإنما العمل على جعل المستفيد يشعر بوجوده من خلال حفل التخرج البهيج والذي حرص البرنامج على إظهاره في أحسن حله. وهي الرسالة التي يجب أن تصل للمستفيد وأسرته وللمجتمع بأن أبناء الوطن في عيوننا.

فبالرغم من الخطأ الذي ارتكبوه سابقا، إلا أنه تم تأهيلهم في أعلى البرامج. ويتم نقلهم في الاسابيع الاخيرة من فترة محكوميته إلى أفخم الفنادق ويمنح كل واحد منهم مبلغ عشرة آلاف ريال ليلية تخرجهم.

وفي خضم هذا المشهد من حفل التخرج. وبينما كان المستفيدين يتوالون على المنصة معبرين عن سعادتهم وامتنانهم لهذا الحضن الدافئ، تذكرت الشاعر إبراهيم طوقان عندما كتب في بيروت قصيدته المشهورة ”موطني“ والتي تغنى بها الكثيرون وبالتحديد البيت الذي يقول ”موطني غاية تُشرف ورايةٌ تُرفرفُ“. وهي كلمة الحق التي يجب أن تقال. فموطني فيه من الجلال والجمال الذي يجعلك أن تتشرف بأن تنتمي لهذا الكيان العظيم. والذي لأجله نجدد له الولاء والطاعة في كل لحظة ونسأل الله أن يدوم علينا نعمة الامن والامان، وأن يدوم على القائمين في برنامج ”بناء“ بدوام الصحة والعافية.

اختصاصي نفسي وعضو في جمعية التنويم المغناطيسي الامريكية.