آخر تحديث: 27 / 5 / 2018م - 12:37 م  بتوقيت مكة المكرمة

كيف تؤلف كتابا؟

فاطمة الناصر

حينما تَمخر في عباب المكتبات وتصادفك عناوين كهذه أو تجد دورات تدريبية تتضمن هذا التساؤل اللحوح، كيف تكتب رواية أو قصة أو مقالا أو خاطرة أو تكتب كتابا، ستتوقف عندها متأملا ويتملكك الفضول العابث، وقد لا توليها ذلك الالتفات ان كنت لا تستهوي الكتابة، غالبا من ينجذب لها الشباب والهاوين الراغبين للولوج إلى محيط الكتابة والتأليف، مُمَنين أنفسهم بحَظيَّ النجوم.

ستقتني ذلك الكتاب وتبدأ جولتك التعليمية، ستجد الكثير من التعليمات أو التوجيهات أو النصائح وقد يقدم لك الكاتب تجربته وآراءه، وأيما يكن فإن الدورات التدريبية من هذا النوع ستقدم لك ما وجدته في الكتاب بأسلوب سمعي مؤثر، وسينمو بداخلك أثناء القراءة أو الاستماع حماس يدفعك للاتباع والتنفيذ بحذافيره، أو قد تستشكل اجراء المطلوب لأنك لم تقتنع بذلك الطرح.

وحقيقة أنك لن تجد بغيتك خلال التوصيات، فأغلب الكتاب لم يرتادُ ورشا أو دورات، إنما كتبوا كثيرا وأخطأوا كثيرا وانتقدوا من قبل من سبقوهم في مجال التأليف وهكذا هي مسيرة التَعَّلم، ومن طبيعة البشر التقليد الذي يساهم كثيرا في تحقيق المنجز، قد يخالفني بعض القراء ذلك، لكن إذ تتبعنا الحياة البشرية نجد مقدار التأثير الناجم عن الميل نفسي أو عاطفي أو فكري أيا كان نوعه، لنضرب مثالا بعض فتياتنا الصغيرات اللاتي يتابعن بشكل مستمر نساءً يعرضن أدوات التجميل أو حياتهن بطريقة فاضحة في مواقع التواصل، أول محرك لهن لفعل مشابه هو التأثر ومن ثم التقليد، وقد يكون ذلك التقليد مشابها طبق الأصل أو مبتكرا.

كذلك أي كاتب لم يبدأ مشواره دون أن ينغمس في قراءة الكثير من الروائع الثقافية أو الأدبية أو الفكرية، ذلك الفعل المستمر والمتتابع سيصرفه إلى اختيار معين من المؤلفين، وأراهن لك أيها القاريء العزيز أنه سيحاول أن يتقن مهاراته وأسلوبه ويتمعن في أداءه، حينها سيعرض تلك النصوص لمن لهم نصيب في أرض التأليف ليحوز على آرائهم النقدية، ومن هنا تكون كاتب له خطواته التي اعتمد يخطوها بنفسه.

اذا أنتَ وأنتِ لستم بحاجة إلى كتب أو دورات أو ورش تنمي لديكم قدرات كتابية، طبعا لا أقول اصرفوا النظر عنها لكن حقيقة ان من يرغب في الكتابة وأن يؤلف كتابا، يقرأ كثيرا ثم يكتب باستمرار كما تفعل الطيور التي تبني أعشاشها وفق ما توفره البيئة من حولهم ويضع الاعواد قطعة بعد قطعة ليتكون عشا متقنا يحوي بيوضهم، عموما ما تراه من عناوين جذابة هي تجربة شخصية وآراء قد لا تُعينك في شيء.

فالكاتبة أو التأليف أمر نابع من ذات الكاتب برغبة وانجذاب نحو اللامتوقع، هو نوع من الهذيان المتعقل الذي يُغذيه الواقع والتجربة والفكرة، يصاحبه فيض من المشاعر وكثافة في الابداع، انه يزج بصاحبه في موجة هادرة من الأفكار والافراط بها، حتى يفيض الرأي وتتحقق المعجزة المنشودة.

فكل فرد يجد في نفسه مشروع كاتب أو شاعر وغيره، وهذا قالته الكاتبة والشاعرة الكندية مارغريت آتوود ”معظم الناس يظنون في قرارة أنفسهم أن في داخلهم كتابا سيكتبونه يوما ما ان سنح لهم الوقت، الأمر فيه شيء من الصحة، فكثير منهم عندهم كتاب داخلهم بمعنى أن لديهم تجارب يودون ان يقرأها الآخرون، لكن هذا لا يتطابق مع كون المرء كاتبا. سأوضح ذلك بطريقة مشؤومة: كل منا يستطيع ان يحفر ثقبا في مقبرة، لكن ليس كل امرىء حفار قبور! الأمر يتطلب من حفار القبور قدرا بيرا من الاحتمال والمثابرة، كما يتطلب منه دورا رميا عميقا بسبب طبيعة ما يقوم به، فأن تكون حفار قبور يعني أنك لا تنقب فحسب، بل تحمل على كتفيك وطأة اسقاطات الآخرين وأوهامهم وتوجساتهم وخرافاتهم“.

هذا التشبيه المجازي يُمَكِن أي راغب في الكتابة أن يستشعر النص بتوجس وهو ما أرادته الكاتبة آتوود، مشيرة بذكاء إلى الصفة تميز الكاتب الحقيقي أن يحمل قدرا عاليا من حس المسؤولية، فيقدم ما يرفع ويرتقي بشأن المجتمع ثقافيا وفكريا وأدبيا.