آخر تحديث: 24 / 6 / 2018م - 12:54 م  بتوقيت مكة المكرمة

ثقافة المستقبل

محمد الحرز صحيفة اليوم

الاستقبال الحافل الذي حظي به القرار الملكي بفصل الثقافة عن وزارة الإعلام من طرف الرأي العام ومجمل المثقفين لا يدل سوى على الرغبة القديمة عند الكثيرين، وقد برزت في العديد من المناسبات الثقافية سواء عبر مؤتمرات المثقفين والتوصيات التي ترفع في نهاية جلساته أو عبر أنشطة أنديته الأدبية، أو من خلال مقالات الصحف على أيدي بعض المثقفين والمهتمين بالشأن العام. الآن بهذا القرار تحققت الرغبة وتجسد الحلم. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه في هذه المرحلة الجديدة كليا عما سبقها في العمل الثقافي هو ما التصور الذي ينبغي تبنيه عن الثقافة الذي يحقق تطلعاتنا للمستقبل كمجتمع سعودي؟ أولا: كأن هذا السؤال يوحي للقارئ أن ما قبل القرار كان تصورنا عن الثقافة لم يكن يلبي الكثير من الطموحات الكامنة في نفوس الكثير من شرائح المجتمع وخاصة الشباب منها. وكأن ثانيا: حضور التصور أو غيابه عن الثقافة يتوقف عليه ازدهار الثقافة أو خفوتها.

الجميع يعلم أن الأهداف أو الرغبات التي يتطلع لها الفرد من خلال انخراطه في الشأن الثقافي سواء من خلال الفكر والمجتمع أو الإبداع بشتى ألوانه، له علاقة وثيقة بالوظائف التي تنهض بها الثقافة عند هذا المبدع أو ذاك، وكلاهما «الأهداف والوظائف» يشكلان ركني تصوراتنا عن الثقافة، فليس من المفهوم عند العديد من الناس أن يكون هناك شخص مثقف يدافع بكل ما أوتي من قوة سواء بالكتابة أو المشاركة المنبرية عن فكرة كون الموسيقى مكونا مهما للإنسان وللمجتمع في رقيه الحضاري، إلا من خلال ربط فكرته عن أهمية الموسيقى بتصوره العميق عن الثقافة، حيث الأولى تؤدي وظيفتها المنوطة بها على أكمل وجه كي يقتنع هو أن ما يقوم به هو في الصميم من الثقافة.

وهكذا يمكن أن ندلل على أكثر من مثال في أهمية ما يؤمن فيه الفرد من أفكار حول مجال معين في الحياة. إذا كان هذا مفهوم التصور على مستوى الفرد، فماذا يكون على مستوى العمل المؤسساتي؟ التصورات على هذا المستوى أكثر تعقيدا لأننا إزاء سلطة مؤسسات تريد أن تحقق تصوراتها عن الثقافة بما يتناسب مع عادات وتقاليد وثقافة المجتمع الموروثة. لذلك صعوبة المعادلة تكمن هنا في المواءمة بين تصورات عن الثقافة لا تقطع مع الموروث ولا تتخلى عن مكتسبات الحياة المعاصرة. بعد هذه المقدمة النظرية البسيطة، نعود للسؤال الرئيسي فنقول: عملت الثقافة داخل مؤسساتنا منذ تأسيسها على تكريس مفهوم الانتماء الوطني وذلك عبر أنديتها الأدبية وجمعياتها الثقافية. وكان المفهوم يعتمد على مبدأ الاحتواء والضم أي العمل على إظهار الأدب المحلي بمظاهره المختلفة والاعتناء به وبأصحابه مهما اختلفت انتماءتهم الثقافية المتنوعة. وقد كاد هذا العمل تؤتى أكله وتجنى ثماره لولا بعض العقبات التي صادفها في طريقه، من أهمها بالتأكيد ازدواجية العمل بين الإعلام والثقافة، مما أدى إلى تباطؤ فاعلية الشأن الثقافي فيما يخص متطلباته المعاصرة عند الشباب كالموسيقى والسينما والمسرح. إضافة إلى عامل آخر ساعد في عملية التباطؤ وهو استنفاد كل طرق العمل الثقافي التي كانت ترى إلى الثقافة مجرد قصيدة تلقى هنا أو هناك أو ندوة عن الرواية أو القصة. ولا وجود بالتالي سوى للتكرار فقط.