آخر تحديث: 16 / 10 / 2018م - 1:37 م  بتوقيت مكة المكرمة

تعلمت من أبي

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وسلام على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا[1] . تعبدنا الله سبحانه وتعالى بالإحسان إلى الوالدين وقرن الإحسان إليهما بالتوحيد، وإن دلّ على شيء فإنما يدل على عظمة هذه العبادة السلوكية المتمثلة في الإحسان إلى الوالدين والبر بهما.

في هذا المقال الوجداني سوف أستعرض ما تعلمته من والدي من خصال جميلة تمتع بها في مسيرة حياته المليئة بالدروس العملية. وهذا المقال يعتبر تعبيرا جزئيا عن البر بوالدي والإحسان إليه من خلال إبراز ما تميز به من خصال جميلة. وفي الوقت نفسه، يعتبر المقال درسا عمليا في البر والإحسان إلى الوالدين، أقدمه لأبنائي وأحفادي حفظهم الله ورعاهم جميعا.

وحتى ألملم جميع جوانب الموضوع سوف أقسمه إلى عدة محطات، ومن ثم أقف عند كل محطة لأستلهم الدروس منها. وهذه المحطات كما يلي:

1. التعريف بأبي.

2. الفلاحة.

3. قراءة القرآن الكريم.

4. العشق لله وذكره.

5. الولاء للنبي وآله.

6. العشق لمجالس الحسين .

7. صلة الرحم.

8. رعاية الأيتام.

9. الكرم.

10. الهمة والعزيمة.

التعريف بأبي:

تعلمت من أبي - مقال عادل حسن الحسينوالدي حفظه الله هو السيد حسن بن سلمان بن حسين بن ناصر بن أحمد بن عبد الله بن أحمد آل جماز. ولد في قرية الدالوة بالأحساء سنة 1355 هـ ، وترعرع في كنف والديه السيد سلمان والسيدة مريم بنت السيد إبراهيم بن ناصر بن أحمد بن عبد الله بن أحمد آل جماز، فوالداه أبناء عمومة، جدهما المشترك السيد ناصر. والسيد حسن هو الأخ الأصغر من ضمن إخوته، السيد عبدالله والسيد عدنان والسيد صادق والسيد باقر. ولديه أربع أخوات، وهن السيدة بهية والسيدة هاشمية والسيدة شاهة والسيدة ملكة.

تزوج من الحاجة بتلاء بنت علي حسن بو حليقة، رحمها الله رحمة الأبرار وأسكنها فسيح جناته مع محمد وآله الأخيار، انتقلت إلى الرفيق الأعلى في يوم الجمعة 16 صفر 1432 هـ . أنجب منها خمس بنات، وهن: فتحية ومريم وفاطمة وآمنة وبدرية، وسبعة أولاد، وهم: ياسين وعادل ونور وسلمان وأمين وعلي وصادق.

الفلاحة:

قضى عمره المعطاء في الفلاحة في الأحساء والخبر والدمام. وقد رافقناه في جميع تنقلاته. ولنا ذكريات كثيرة معه في كل مزرعة عمل فيها. مارس الفلاحة عن عشق منذ كان شابا يافعا إلى يومنا هذا. مع أنه فقد بصره في السنوات الأخيرة، إلا أنه ما زال يهتم بالنخيل الأربع التي في بيته.

اهتم كثيرا بالنخلة وبكل ما تنتج من رطب وتمر ودبس وفسيلة وجذب. إذا قدم هدية لأحد من الأهل والمعارف سواء كان داخل المملكة أو خارجها، كانت تلك الهدية مما تنتج النخلة. على سبيل المثال، لما سكنت في بيتي الجديد في الرياض أحضر لي فسيلتين أحسائيتبن أحدهما غرة والأخرى خلاصة، وشجرة الليمون وشجرة الترنج. وهذا ديدنه مع إخوتي وأخواتي ومعارفه.

تعلمت منه الفلاحة وعملت فيها، سواء معه في المزارع التي اشتغل فيها إلى آخر يوم لي في المدرسة الثانوية، حيث بعدها بدأت غربتي مع الدراسة. عملت أيضا في مزارع أبناء عمومتي. ومازال لدي شيء من الاهتمام في الفلاحة، وكل ذلك من بركاته حفظه الله. في السنوات السبع التي قضيتها في الولايات المتحدة الأمريكية في ولايتَيْ ميزوري وتكساس، نقلت معي الاهتمام بالزراعة إلى هناك، حيث يوجد لدي حديقة في المنازل التي سكنت فيها.

قراءة القرآن الكريم:

تعلم والدي قراءة القرآن على يدي أخته السيدة بهية رحمها الله، أم السيد مصطفى بن هاشم بن محمد البراهيم. وكما ينقل والدي، كانت أخته شديدة عليه في تعليمه لقراءة القرآن. عشق والدي قراءة القرآن الكريم، وواظب على قراءته بشكل يومي. كان يشنف أسماعنا بتلاوة القرآن الكريم في كل صباح ومساء.

كان لديه أمنية أن يقرأ الأدعية في مفاتيح الجنان وضياء الصالحين، لكنه لم يحقق هذه الأمنية. قد يستغرب القراء من ذلك، لكنها الحقيقة. عندما كنتُ في المرحلة المتوسطة حاولت تعليمه قراءة الأدعية لكني لم أستطع. مع أني استخدمت الطريقة نفسها التي تعلم بها قراءة القرآن الكريم، وهي طريقة تهجي حروف الكلمة. على سبيل المثال قراءة «بِسْمِ» بطريقة التهجي: بَيه كسرهْ بي، سينْ سكنهْ بِسْ، ميمْ كسرهْ مي، بِسْمِ. وهو نفسه كان يستخدم طريقة التهجي في قراءة القرآن الكريم إذا استشكل في قراءة كلمة ما. فاكتشفتُ لاحقا أنه لا يعرف القراءة خارج نطاق القرآن الكريم الموجود بين الدفتين. حتى إذا أعطيته ورقةً مكتوبًا فيها سورة من سور القرآن الكريم، لا يعرف قراءتها.

وبالتالي السيد الوالد في الحقيقة هو أمي لا يقرأ ولا يكتب، إلا أنه بارع في قراءة القرآن الكريم بعينيه لا عن حفظ. وكأن آيات القرآن الكريم صور فلاشية في ذهنه.

من أكثر ما أحزنه في حياته هو عدم قدرته على قراءة القرآن الكريم عندما ضعف بصره قبل عشر سنوات تقريبا. حاول بكل ما يستطيع من خلال التنقل من طبيب عيون إلى طبيب آخر ومن بلد إلى آخر كي يستعيد بصره، ولكن دون جدوى.

وللعلم، هو من علمني قراءة القرآن الكريم، حيث كان يكرر قراءة قصار السور عندما كنت في أول ابتدائي، وكان يُسمّع لي ما أحفظه من آيات وسور. وقراءته للقرآن الكريم بشكل يومي وبصوت مرتفع كانت درسًا عمليًا غرس به حب القرآن الكريم وتلاوته في قلوب أبنائه وبناته.

العشق لله وذكره:

من احتك بوالدي يلحظ فيه سمة ”ذكر الله“ بشكل متواصل، حيث يلهج بذكر الله ما دام مستيقظا. لذا تجده مواظبا على أداء النوافل ليلا ونهارا. ويعشق قراءة القرآن الكريم ويأنس بالحديث مع الله وبمخاطبة الله له في كثير من الآيات. ومع أنه بلغ ال 85 سنة من عمره مازال يؤدي صلاة الليل، ويصلي نيابة عن زوجته وعن آبائه وأجداده بعض الفروض الواجبة. وكان يهدي ثواب ما يقرأه من القرآن الكريم إليهم وإلى أموات المؤمنين والمؤمنات، ومازال على هذا المنوال منذ أن فقد بصره، إما بحَثّه المستمر لأبنائه وبناته لينهجوا منهجه، أو بطلب من أحد المؤمنين لتلاوة القرآن بأجر.

الولاء للنبي وآله:

أعتبر والدي مواليا - من الطراز الأول - لأهل البيت . وتجد ذلك جليا في إحياء ذكرهم طوال السنة إما في بيته أو في حسينية الإمام الصادق في بلدة الدالوة، مسقط رأسه. وتلحظ ولاءه لهم من خلال النذور التي مازال يؤديها في كثير من مناسبات أهل البيت في أفراحهم وأحزانهم.

ومن أوضح الواضحات في حياته زياراته المتكررة لمحمد وآل محمد ﷺ عند ضرائحهم ومشاهدهم، حيث يشد الرحال إليهم ويقضي فترات طويلة عندهم، وعلى سبيل المثال، آخر زيارة له للأئمة في العراق كانت في شهري رجب وشعبان الماضيين. نحن أولاده وبناته، تعلمنا منه هذا الولاء وهذا العشق لمحمد وآل محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

العشق لمجالس الحسين :

والدي حفظه الله رقيق القلب، حنون وعطوف، ودمعته على خده في ذكر مصاب أبي عبد الله الحسين . يحرص والدي كثيرا على حضور مجالس الإمام الحسين ، سواء في الحسينيات أو في بيوت جيرانه من المؤمنين. لذا تجد لديه ثقافة دينية وتاريخية عميقة. إلى درجة أنه أحيانا يعترض على بعض الخطباء الجدد في نقلهم لبعض الروايات والقصص التي لا تنسجم مع حصيلته الثقافية التي تعلمها من خطباء المنبر الحسيني الكبار. لذا إذا نزل الخطيب من المنبر يخبره باعتراضه، إما مستفسرًا عن المعلومة الجديدة التي سمعها منه أو منبها بخطئه في النقل.

صلة الرحم:

تعتبر صلة الرحم من المقدسات العظيمة في سلوك والدي العملي الذي نشأ عليه ومازال يقوم به إلى يومنا هذا. يحرص كثيرا على زيارة الأرحام في كثير من المناسبات. ويحرص أيضا على زيارة مريضهم كبيرًا كان أو صغيرًا. ومفهوم صلة الرحم لديه ليس فقط الصلة المعنوية من خلال زيارتهم، بل أيضا الصلة المادية من خلال البذل والعطاء للمحتاج منهم في شتى مجالات الحياة، من علاج وزواج وحج وزيارة ومؤنة، وغيرها من الاحتياجات.

رعاية الأيتام:

في حد علمي رعى والدي كثيرًا من اليتامى وخاصة يتامى أخوته وأخواته وأقربائه. وقُدر له أن يكون لديه ثلاث أمهات. أمه التي حملت به وولدته، وأُمان أرضعتاه. فصار له أخوة وأخوات من الرضاعة، فاعتنى بأميه من الرضاعة وأحفادهما، ومازال إلى يومنا هذا على اتصال بأحفادهما. وكان سخيا ماديا ومعنويا معهم.

الكرم:

ما في جيب والدي ليس له، هذه حقيقة يعرفها كثير من احتك به وتعامل معه. ومع ضيق حاله كونه فلاحا تقليديا إلا أنه كريم بشكل لا يوصف. كريم مع أبنائه وأحفاده، ومع أبناء إخوته وأخواته نسبا ورضاعة، ومع أقربائه وأهل قريته ومعارفه، وغيرهم.

صورة من صور كرمه، اعتاد على شراء عباءة نسائية لكل امرأة تربطه بها قرابة نسبا أو رضاعة، في شهر رمضان لعيد الفطر المبارك من كل سنة، ومازال إلى يومنا هذا على هذه العادة. والمرأة التي تريد شراء العباءة بنفسها يعطيها مبلغا من المال بشرط أن تشتري به عباءة.

تعلمت من أبي - مقال عادل حسن الحسين

الهمة والعزيمة:

على كبر سنه وذهاب بصره إلا أنه مازال يتفقد أحوال أرحامه على الأقل مرتين في الشهر، يزورهم ويشتري بعض المؤنة للمحتاج منهم. ومازال لديه عزيمة كبيرة للسفر إلى مراقد المعصومين وضرائح أبنائهم وأحفادهم. سلوكه في الحياة مصداقا لقول أمير المؤمنين : ﴿اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا[2] . وحركته في الحياة مصداقٌ لقول الرسول الأكرم ﷺ: ﴿إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها[3] .

له مني هذه القصيدة:

كَمْ تَسَامَي فَي المَعَالِي وَالِدِي
إِنَّهُ رَمْزُ عَطَاءٍ بَلْ جَدِيْ

عِنْدَهُ طَبْعٌ جَمِيلٌ آسِرٌ
سِرِّهُ فِي جُودِهِ نَبْعُ الْيَدِ

لَا يُبَالِي الْفَقْرَ فِي إِعْطَائِهِ
كُلُّهُ مِنْ بَحْرِ جُودِ الْخَالِدِ

حَسَنُ الطَّلْعَةِ دَوْمًا كَاسْمِهِ
بِكَرِيمِ الْآلِ جُودًا يَقْتَدِي

مِنْ سَخَاءِ اللهِ أَنْ أَوْجَدَ لِي
وَالِدًا فِي عِزِّهِ وَالسُّؤْدَدِ

وَاصِلٌ لِلرَّحْمِ في أرجائها
لَمْ يَحِدْ عَنْ وَصْلِهَا بَلْ يَهْتَدِي

بِحَنَانٍ بَالِغٍ فِي رِقَّةٍ
كَمْ سَعَى فِي خِدْمَةِ الْمَوَائِدِ

قَدْ بَدَا فِي دَمْعِهِ حُزْنٌ لِمَا
قَدْ جَرَى لِلْآلِ مِنْ ظُلْمٍ صَدِ

قَدْ دَعَوْنَا وَبِصَوْتٍ وَاحِدٍ
رَبَّنَا بَارِكْ بِعُمْرِ السَّيَّدِ

مسك الختام:

الكلام عن والدي حفظه الله حديث ذو شجون. أحمد الله كثيرا وأشكره على هذه النعمة التي أسبغها عليَّ بأن جعلني من صلب والدي العزيز السيد حسن بن سلمان الحسين. فحياته مليئة بالدروس والعبر، وهو مدرسة في العطاء. باختصار شديد، والدي حفظه الله غرس الخير فوجده. قال الله تعالى: ﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ[4] . وقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ[5] . إن كل عمل صالح يقوم به الإنسان، فهو بعين الله وتحت رعايته ورعاية رسوله ﷺ ورعاية أهل بيته .

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظ والدي وأن يطيل عمره في خير وعافية. وأن يمتعنا بطول بقائه، ويرزقنا بره والإحسان إليه. إنه حميد مجيد، سميع الدعاء، قريب مجيب. اللهم تقبل مني هذا القليل «في حق أبي الحنون» بقبولٍ حسن. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين الأخيار الميامين وأصحابه المنتجبين.

[1]  سورة الإسراء: الآية 23.
[2]  الكاظمي، الشيخ حبيب. محاضرة: التعامل مع الدنيا. شبكة السراج في الطريق إلى الله. http://www.alseraj.net/cgi-bin/pros/av/ZadTextDisplay.cgi?print&129. تم الاطلاع عليه في 9/6/2018م.
[3]  شبكة المعارف الإسلامية. كيف نحافظ على البيئة؟ http://www.almaaref.org/maarefdetails.php?id=1745&subcatid=1533&cid=502&supcat=47. تم الاطلاع عليه في 18/3/2018م.
[4]  سورة البقرة: الآية 110.
[5]  سورة التوبة: الآية 105.
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
هلال الوحيد
[ القطيف ]: 11 / 6 / 2018م - 11:33 م
التفاحة لا تسقط بعيدا عن الشجرة. رحم الله أباك. عرفناك من اطيب الناس. أطال الله في عمره ومتعك به.