آخر تحديث: 18 / 10 / 2018م - 3:03 م  بتوقيت مكة المكرمة

الرياضة توحد العالم

ميرزا الخويلدي صحيفة الشرق الأوسط

تنطلق غداً بطولة كأس العالم لكرة القدم 2018 «مونديال روسيا»، البطولة التي يشارك فيها 32 فريقاً من القارات الخمس، ويشاهدها أكثر من ثلاثة مليارات إنسان. تتحول خلالها، وعلى مدى شهر، الكرة الأرضية إلى كرنفال يرقص على إيقاع المباريات التي تدور رحاها في روسيا.

هي مناسبة عظيمة ينصهر العالم خلالها في تكوينات ثقافية ملهمة، تطورت عبر الزمن، وتجاوزت الحدود الأنانية والانفعالية، لتصل إلى وحدة ثقافية بين الشعوب تمكنت من اختصار المسافات بين المجتمع الإنساني، وكأنهم يعيشون في بيت واحد.

وكأي ظاهرة كبرى، هناك ثقافة ترافق المونديال العالمي، وتنبعث منه، تنتجها الروح الرياضية، كأهم الوسائل الفعالة لتقريب الناس وتذويب فوارقهم وطي المسافات بين الأمم والثقافات والشعوب. ويمكن للرياضة أن تصنع ثقافتها الخاصة التي تتجاوز ثقافات التقسيم، والمساعدة في نشر قيم التعاون والتآخي بين الشعوب، وتعميم ثقافة الإنجاز والتعاون والإيجابية.

يمكن لكرة القدم أن تكون رسول محبة وإخاء بين الشعوب، يمكنها أن تعلم الناس كيف يتعارفون، وكيف يأتلفون، وكيف يشد بعضهم أزر بعض. كيف تجمعهم مشاعر واحدة تتجاوز فروقاتهم البشرية، كيف يلتف جزء كبير من العالم حول فريق لا ينتمي لدينه أو قوميته ولا يحمل جنسيته، كيف يتحول الإنسان في شهر إلى كائن عالمي، أو كائن «معولم». كيف يلتقي مع ملايين البشر حول قيم وجمالات وأساليب رفيعة ترمز لمعايير التفوق والجودة والأداء الماهر؛ بل يمكن القول إنها تعلم الجميع مهارات تساعدهم في إضفاء التعايش وحل الصراعات بالطرق السلمية.

أصبحت كرة القدم علاجاً لأمراض الشعوب، بعد أن كانت تثير المطاحنات والحروب، كحرب الجارتين في أميركا الوسطى: هندوراس والسلفادور، التي انتهت بآلاف القتلى والمشردين في عام 1969؛ لكنها تحولت وخاصة في أميركا اللاتينية وأفريقيا علاجاً فعالاً لمساعدة آلاف الشباب في المناطق الموبوءة بالجريمة والصراعات المسلحة، للتخلص من العنف والمخدرات، كما في البرازيل والمكسيك وكولومبيا والسلفادور وغرب أفريقيا؛ بل إن كاهناً كاثوليكياً في هندوراس هو «ألبرتو غوتشي» فضّل أن يبني ملعباً في بلدة تعاني من تهريب المخدرات وعنف العصابات، كوسيلة لإنقاذ الشباب من السقوط في الغواية.

تتحدث «اليونيسكو» عن: «تسخير الرياضة من أجل السلام والتنمية»، وترى أن «ممارسة الرياضة هي وسيلة مُعترف بها لتعزيز السلام؛ إذ إنها تتغاضى عن الحدود الجغرافية والطبقات الاجتماعية على حدٍ سواء». وهي تؤدي أيضاً دوراً بارزاً «إذ تعزز التكامل الاجتماعي والتنمية الاقتصادية في مختلف السياقات الجغرافية والثقافية والسياسية». كما تشكل الرياضة «أداة قوية لتوطيد الروابط والشبكات الاجتماعية، ولتعزيز المثل العليا للسلام والأخوة والتضامن واللاعنف والتسامح والعدالة».

أخيراً، فإن الكرة الساحرة، يمكنها خلال شهر من عمر السباق الكروي، أن تتلاعب بمشاعر مليارات البشر: بين المتعة والتشويق، والتحدي والمنافسة، وبين الفرح والحزن، ترفع ضغطهم تارة، وتريحهم تارة أخرى؛ لكنها تهيمن على تفكيرهم، فلا شيء خلال الأيام الثلاثين المقبلة يمكنه أن ينافس المونديال في قائمة الأولويات.

لعل العالم يستيقظ خلالها إلى القوة الكامنة فيه، نحو تجاوز حدود الكراهية والعنف، وتوقه نحو التواصل، وشغفه بالجمال.