آخر تحديث: 17 / 7 / 2018م - 8:00 ص  بتوقيت مكة المكرمة

شوف مصلحتك يابني

أمير الصالح

”شوف مصلحتك يابني“!

هذا النص كان يصم آذاني عندما احضر بعض المسلسلات والافلام العربية المصرية القديمة في صغر سني. بعد التدقيق والسؤال ونحو الوعي الإدراكي للمحيط، التفت بان هناك صراع المصالح على مستوى الفرد والجماعات والوطن والامم على امتداد الزمن. ولاحظت في الاونة الاخيرة تصاعد سهم كلمة ”مصلحة“ حتى اني سجلت للكلمة حضور في اسماء لوزارات في بعض الدول ك مصلحة الجمارك ومصلحة الضرائب... الخ. لابل سجلت حضور قوي لكلمة ”مصلحة“ في التراشقات بين تيارات فكرية عديدة ك الاسلاميين والعلمانيين من جهة وبين العلمانيين اليمينين واليساريين في عدة من الاقطار والدول. حتى بتنا ليل نهار نسمع كلمة ”مصلحة“ و”مصالح“ في خطابات الامم المتحدة اكثر مما نسمع كلمة ”اشعر ب شديد القلق“ المشهورة بعهد بوكي مان، رئيس مجلس الامن الاممي السابق.

رجوعا عند كلمة ”شوف مصلحتك يابني“ المنقولة عن الافلام المصرية، اكتشفت ان من ضمن معانيها ”اسكت عما تشاهده من فساد“ وايضا تاتي بمعنى ”انخرط في شلة الفاسدين“ وتاتي ايضا بمعنى ”اعمل نفسك ميت لكي تحافظ على ما انت عليه“ وهناك معان اخرى تدور في نفس المحاور.

وهنا تاملت اكثر وقسمت المصلحة لـ ثلاثه انواع

- مصلحة شخصية

- مصلحة شللية

- مصلحة وطنية

في المصلحة الشخصية يستدرك الشخص ان الانسان جُبل على الحفاظ على الذات بجلب المنفعة لذاته وابعاد الشر عنها. وهذا امر لا يُختلف عليه لانه امتداد لـ غريزة البقاء. ولكن هناك مصالح تفوح منها روائح اخرى ك الاستحواذ والانانية والسيطرة الفردية والاتكاء على اعمال الاخرين وتجيير المصلحة العامة للخاصة واستخدام اساليب الاحتيال والنصب والاجرام والتضليل لبناء المصالح الشخصية.

في المصلحة الشللية او الجمعية او القبلية او المناطقية ايضا كما هي المصلحة الشخصية؛ تكون المنافع في دائرة المعقول اذا ما التزمت ب قانون حفظ المجموع والنسيج الوطني بطرق سليمة قانونيا وعرفيا ووطنيا الى جانب ضوابط تكافؤ الفرص على اساس العلم والوطن وضمان الحرية والشفافية؛ الا ان المرصود في اكثر بقع العالم، يحاول البعض من المجاميع العرقية او احد مشتقاتها ك الشللية او المذهبية على الاستحواذ بكل اطراف ومفاصل الكعكة لانفسهم حتى لو استنقص او خون او همش او طعن في الاخرين بعناوين مختلفة ك الدين او الوطنية او المنطقة او المذهب او التوجه الفكري. استخدام اساليب النفاق والسادية والانحيازات والتفسيق لبناء المصالح الشللية عي اساليب مكشوفة ومعروفة ويتطلع ابناء كل وطن باستصدار القوانين الرادعة لتحجيمها اسوة بقوانين تجريم التحرش. ولعل استصدار قوانين مثل تجريم الكراهية والتحريض على الغير خطوات اولى تخدم المرحلة الاولى في تحصين المجتمع من الاستحواذات المصلحية الصادرة من بعض الافراد او الشلل.

المصلحة العامة هي الهامة للعامة ولكونها بحر من النقاش، سافرد لها مقال خاص في وقت ما.

في الوقوف على تحليل حروب المصالح بين الافراد او الشلل تنكشف أقنعة ويكون الكاشف «whistleblower» في دائرة خطر الابتزاز او العقاب التعسفي ان هو نطق او كشف مالديه من معلومات وهذا يذكرني بفيلم وثائقي بعنوان breaking the silence.

فلك ان تتخيل موظف بسيط يكشف تقليب رئيسه لمصالحه الخاصة والشللية على المصالح العامة او الوطنية. هنا يقع الموظف المطلع على الامور بين مطرقة خطر الابتزاز والتهديد بالفصل او النفي او التجميد المهني او الإحالة الصحية او الصاق التهم المشبوه به او اتهامه في عقله وبين سندان الصمت وتعذيب الضمير.

هنا يكون لسان حال البعض ”ياداخل بين البصلة وقشرتها ماينوبك الا ريحتها“، وهذا تفاعل سلبي، نتائجه وخيمة على صعيد مستقبل الاجيال القائمة والقادمة وهتك ثروات المجتمع الفكرية والمالية والاخلاقية.

نحن نعلم جميعا بان الهروب من المكاشفات الموضوعية وسوء استغلال العاطفة الجياشة تحت اي عنوان والسلبية بالانكفاء الداخلي ودفن الاخطاء دون برامج تصحيحية لاي مدرسة «فكرية، ادبية، تجارية، اعلامية، رياضية، مالية.. الخ» سيولد الحاق ضرر بالبسطاء من ابناء المجتمع سواء مجتمع شركة او مجتمع احياء او مجتمع انتماء وطني او ديني. واستمرار الواقع السيئ بمدى مفتوح وطغيان المصالح الشخصية والشللية على كل مفاصل الامور هو المصير.

نكرر نداءات المخلصين الواعين، من المهم ان يتحصن ابناء المجتمع الواحد بحياة النقاش الموضوعي المستمر المتوقد حيوية لضمان التحصين ضد الاستغلال والمتاجرة ب الشعارات البراقة ورفع مستوى المسائلة للمتصدرين وبث روح الوعي في الاوساط وضمان استمرار التكافؤ في الفرص والاحترام والانتماء.

فلا ضمانات في مقارعة الفساد والاستئثارات الشخصية او الشللية من دون ايقاع قوانين رادعة وترسيخ أعراف اجتماعية توطد لروح المساءلة وتعاقب الفاسدين وتثبط مخططات المستغلين.

اتذكر مقوله في كتيب بعنوان ”مقالة في العبودية المختارة“ للسيد إتيان دي لابوسيه وترجمة مصطفى سلوان وتوطئة محمد الرميحي تنص على ان الانسان في اي بقعة من العالم يعيش في البؤوس الدائم لاسباب عدة منها العبودية المختارة.

بعد تجاوز العقد الخامس من العمر، انا الان اطرح نفس المقولة من منظور اخر لـ كلمة ”شوف مصلحتك يابني“ مع كامل الاحترام لآداب المصالح. فقلت لنفسي:

- لن اكون عبدا لوظيفتي او لأطر تفكير مغلقة ومعلبة

- لن اخشى عباد الله ك خشيتي لله

- لن اعيش القلق طولا وعرضا فيما تبقى من العمر بدل ان اعيشه إبداعا وانجازا مستمر ا.

- احاول ان اكتشف أطلس الافكار في العالم بعد ان ارسم خارطة طريق ثقافية متكاملة لنفسي وليس العكس

- اعيش مستقلا فكريا بدل الانجراف لهذا المتصنم او لذاك المتعجرف ذو الخيلا بنفسه.

اعتقد بان من اساسيات حفظ المصلحة الذاتية هو تطوير كلا منا خارطة الطريق الذاتية لصقل ثقافتنا وجعلها ثقافة تنم عن الاصاله والوعي العميق للامور وليست ثقافة المطاعم الفكرية السريعة التحضير ك همبرجر إسفاف.