آخر تحديث: 17 / 7 / 2018م - 8:00 ص  بتوقيت مكة المكرمة

حول إشكالية الثابت والمتغير

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

أشرت في مقال الأسبوع الماضي إلى اتفاق علماء الإسلام على تصنيف أحكام الشريعة إلى نوعين: ثابت ومتغير. ويقال عادةً إن هذا من آيات يُسْر الشريعة ومواكبتها لمتغيرات الحياة. لكنّ ثمة مسائل بقيت غامضة أو محل اختلاف. ومنها معايير التمييز بين الحكم الثابت والمتغير، والمعايير الناظمة لتغيير الحكم، وأخيراً المستوى القيمي للحكم البديل والمستبدل.

بعض أهل العلم حدّد الثوابت بالعقائد والعبادات والأحكام المنصوصة. وقال غيرهم إن الثوابت هي ما ثبت الإجماع عليه. وميَّز باحث معاصر بين الذاتيّ والعرضيّ في الدين، فاعتبر الأول ثابتاً دون الثاني. وميّز آخر بين مقاصد الشريعة والوسائل الموصِّلة إلى الغايات. فحصر الثوابت في المقاصد والغايات لأنها ضرورية لحياة البشر.

تعدُّد تعريفات الثابت والمتغير يكشف عن حقيقة أن أصل الموضوع اجتهادي، وأننا لا نملك بعد معياراً واحداً قطعياً لما نصنّفه في هذا الجانب أو ذاك. ولذا يسعنا القول: إن المسألة مفتوحة للنقاش، الآن وفي المستقبل. وقد لا نتوصل أبداً إلى معيار واحد ونهائي. لكننا ندرك الضرورة العقلية للتمييز بين ما هو ضروري لبقاء أصل الدين وجوهره وقوامه، وبين ما يتعلق بحياة البشر، التي قضى الله أن تكون شريعته وسيلة لنظمها وتيسيرها وارتقائها. هذا ليس تعريفاً للثابت والمتغير، لكنه توجُّه عام يسمح لنا بالنقاش واتقاء الجمود أو التنازع.

- هل لهذا الجدل أي أهمية؟

نعم بالتأكيد. بيان ذلك أن التحولات والحوادث التي شهدها العالم، خلال العقد الجاري على وجه الخصوص، كشفت عن هوّة واسعة تفصل بين «المشهور» من أحكام الشريعة، وبين عُرف العقلاء في هذا الزمان.

يهمني التشديد هنا على المشهور من الأحكام، التي ورثناها من أزمنة سابقة، أو وُضعت حديثاً بالرجوع إلى تصورات قديمة. كما يهمني التشديد على عُرف العقلاء في هذا العصر، لأن غالب المشتغلين بالفقه لا يعتبره معياراً صالحاً في وضع الأحكام، بل إن بعضهم ينكر كلياً أي علاقة له بالتشريع.

نعلم بالضرورة أن كلاً من العدل واليسر معيار أساسي لسلامة الحكم الشرعي وملاءمة التشريع لطبائع البشر.

وأن المعتبر في كليهما هو تعريف العقلاء لما يعدّ يسيراً وعادلاً، أو العكس. كان بعض أهل العلم قد قالوا إن المعتبر هو ما قرره الشارع من العدل واليسر، وليس ما يقرره الناس. لكنّ هذا الرأي لا يصمد في الامتحان، لأن تطبيقات اليسر والعدل متفاوتة ومتغيرة على نحو مفرط في الكثرة، فلا يمكن ضبط موارده كلها، ولا حتى أغلبها بنص سابق. كما أنها تختلف من مكان إلى مكان. والصحيح أنها متروكة لعُرف العقلاء ومستخلصات العلم في كل زمن.

المنظومة المعاصرة لحقوق الإنسان، مثال بارز على التفارق بين الأحكام المشهورة وبين عُرف العقلاء. فهذه المنظومة معيار للعدالة في نظر أكثرية سكان الأرض، مسلمين وغير مسلمين، بحيث يمكن اعتبارها من أجْلَى تجسيدات «عُرف العقلاء». لكن بعض المسلمين بالخصوص يشعرون إزاءها بحرج شديد، سببه تعارض «بعض» أحكامها مع أحكام مشهورة، منصوصة أو اجتهادية قديمة. فما الحل السليم: هل ننكر هذا العُرف العام، ونتحمل استمرار الهوّة بين تفسيرات الشريعة وعصرها، وكيف يمكننا التعامل مع الحياة الجديدة؟

هذا هو جوهر المسألة، وهو الذي يثير مرة بعد مرة، الحاجة إلى إعادة النقاش في معنى الثابت والمتغير.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
يوسف السيهاتي
[ saihat ]: 28 / 6 / 2018م - 2:00 م
افضل حل تم تقديمه لمعالجة مشكلة الثابت والمتغير او ما يعبر عنه البعض المفهوم العام وتعدد المصاديق ما قدمة الدكتور محمد شحرور حيث يرى ان المحرمات هي فقط ما ذكر القرآن نصاً بتحريمها وهي لا تتجاوز 14 تحريما أما الموانع والنواهي التي اعتمدها رسول الامة فهي ليست من المحرمات وانما في ما يخص تنظيم الحلال فليس كل حلال يعمل به فقد يمنع الحاكم امر في زمن ومكان ما وقد يجيزه حسب مصلحة البلاد والعباد.

فحلال محمد حلال ليوم القايمه وحرامه حرام ليوم القيامة يساوي ما ذكر في القرآن وهو التشريع السماوي وليس بالضرورة ما طبقة الرسول من نواهي وموانع في صدر الاسلام لمصلحة ذلك الزمان.

فالتراكم المعرفي لانسان اليوم متقدم بمراحل كبيرة عن انسان الماضي والتراكم المعرفي وتعدد التخصصات والادوات المتاحة لعالم اليوم اكثر نضجا ومعرفة من علماء الماضيين في الزمن السحيق فاللعنة على انسان اليوم ان لم يكن اعلم من علماء الماضي لما حباه الله من علم ومعرفة وتقدم في جميع المجالات.
باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.