آخر تحديث: 24 / 9 / 2018م - 10:29 م  بتوقيت مكة المكرمة

مركز إثراء الثقافي

محمد الحرز صحيفة اليوم

مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي بالظهران لم تأت تسميته ب «إثراء» مصادفة، فالقواميس العربية تحمل لهذا الاسم دلالات متعددة، تتدرج من المعنى الحسي إلى المعنوي. لكن ما يهمنا هنا هو قولهم: أثرى ما بين الرجلين: تداوما على الصلة. أو قولهم: أثرى الشيء: جعله غنيا، نماه واستثمره.

عملية التواصل - تحت مظلة الثقافة واكتساب المعرفة - بين مختلف فئات المجتمع من جهة، واستثمار هذا التواصل في خلق روابط اجتماعية تعزز من القيم الوطنية والأخلاقية والمعرفية من جهة أخرى هو ما يجعل من مركز إثراء يتطابق ومحتواه. فالاستثمار الاقتصادي المعرفي في الإنسان هو الرؤية التي ما زالت شركة أرامكو تتوسع في مجالاتها وتبدع فيها أيضا بأفكارها الخلاقة منذ تأسيسها إلى الآن.

صحيح أن المركز ثقافي بالدرجة الأولى. لكن تعلمنا من واقع خبرة وتاريخ المؤسسات الثقافية أن الأنشطة والاهتمامات والتوجهات دائما ما تنطلق من رؤية للثقافة ضيقة أو أشبه ما تكون اهتماماتها مثل جزر مفصولة عن بعضها البعض، فالشعر على سبيل المثال لا تجد له حضورا تفاعليا مع الموسيقى أو المسرح، ولا الفن التشكيلي يتحول إلى منصة تفاعلية مع منصات أخرى تفاعلية في السينما وثقافة اللعب والترفيه. فالأمر في أغلب الأحيان يقتصر على نشاط معين - في الشعر أو القصة - يختزل في رؤيته تلك الثقافة بمختلف سياقاتها المتعددة في الحياة. لذلك كان تأثيرها نخبويا، ولا يتعدى سوى فئة مثقفة معينة، حيث بالتالي همومها تختلف عن هموم المجتمع، وقضاياها تختلف عن قضاياه.

مظاهر هذه المشكلة في طريقة التعامل مع الثقافة تختفي حينما تزور مركز إثراء الثقافي بالظهران. فالثقافة هنا لا تعني سوى المنصة التفاعلية، بتقنيات معاصرة، مع جميع فئات المجتمع، ومن جميع الأعمار، فاللعب هنا يتداخل مع الفن والموسيقى والموروث التاريخي الحضاري. لذلك انجذاب الجمهور من مختلف الأعمار هو هدف استراتيجي لا ينفك يعيد الروابط وبقوة بين كل ما هو ثقافي من جهة وبين كل ما هو اجتماعي من جهة أخرى. وهذا ما ينفذه المركز بامتياز.

فالزائر إلى المركز يلاحظ بجلاء الحضور الكثيف للعائلات، والتفاعل الخلاق مع أنشطته المتنوعة. فسواء ذهبت إلى قسم المتحف أو قاعات الفن أو قسم اللعب التفاعلي أو المسرح أو المكتبة فأنت لا تجد سوى الحركة الدؤوبة من هنا وهناك بحيث يخالجك شعور أن الثقافة في توجهها المعرفي لم تعد مقتصرة على فئة دون أخرى، بل أصبحت متوفرة وبسهولة أيضا دون تعقيد، فبالقدر الذي كنا تربينا على صورة المثقف الجاد غير المبتسم والمنعزل في زاوية من العالم، نرى الثقافة تقدم للأجيال بطرق عصرية أكثر تقدما وتطورا، وبعيدة كل البعد عن التلون الإيديولوجي في الأفكار والرؤية والطرح. فالدعوة الكريمة التي تلقيتها لزيارة المركز والتعرف عن قرب على أنشطته وأقسامه ومستوى إمكانياته، حفزتني على هذا القول، شاكرا ومقدرا حسن الاستقبال، خصوصا الأخت منى الشهري من قسم العلاقات العامة، والصديق أمين المكتبة الأستاذ طارق خواجي، والأستاذ الصديق فؤاد الذرمان.