آخر تحديث: 25 / 9 / 2018م - 11:08 ص  بتوقيت مكة المكرمة

أبُوك بِمُوت

أخذني معه كالعادة لزيارته التقليدية في كل أسبوع على بعض أصحابه وبعد اللفة القصيرة توقف عند أبو ماهر وبعد أن سلم والدي بصوت رفيع ليسمع صاحبه فالمكينة التي تفرد القطن وتنشره كي يرمي العوالق والشوائب لتنظيفه ثم استخدامه في المخاد والمراقد وغيرهم من صناعة القطن والنِّدافة التي كانت يدوية عندما كانوا يسكنون في الديرة عند لحسينية، وما أن سمع سلام الوالد حتى رفع رأسه الذي غطِّيَ ببعض القطن المتطاير وأوقف يده التي كانت تغرز الإبرة الطويلة في أحد المراقد القطنية ورد السلام والتعب باد على محياه وابتسم لرؤية الصديق الحميم والذي ينسيه عناء العمل ببعض السوالف والطرائف المعتادة بينهما، ولكن هذه المرة توجه لي قائلا «أبُوك بِمُوت» فوجمت لأتاكد من الكلام كررها «أبُوك بِمُوت» لم يأبه والدي للكلمة التي نزلت علي كالصاعقة، ولم أتوقع مثل هذا المزاح الشديد وأنا طفل لم أبلغ الحلم ولا أستطيع الرد في حضرة الوالد الذي لا يرضى بالرد على الكبير ولو أخطأ فكيف بصديقه وجاره، ولكني أعطيت ابو ماهر رسالة من وجهٍ كظّه الغيظ ودلعتُ له براطم الغضب وشعَر بقلقي وحنَقي ورد علي بابتسامة صفراء لم أقبلها البته.

دارت السنين وبالمصادفة ذكّرت الوالد عن تلك المقولة هل يتذكرها والشعور بألمي وإحساسي بأحد يتنبأُ بفراق وليِّ أمري وموت أبي، ضحك بقوة واستبشرت رضا فما معنى هذا الجواب قال نعم «أبُوك بِمُوت» أكيد الك سيموت، ولكنها رد على طعم ذاقه من قبل، فرِحت بسرعةِ تذكّره للموضوع الذي يؤرقني من زمان وما هذا الطعم الذي نالني منه ضحك أبي على موته.

قال وأنا قادم إليه ذات صباح رأيت والده في الطريق متوجه إلى بيته ففكرت بلطيفة ألقها عليه ولم اتأكد من نجاعتها، وبعد أن وصلت اليه بادرته ما بأبيك؟ وأنا متجهّم الوجه قال: خيرا مابه؟ قلت مر علي ولكنه يقدم يد ويؤخر أخرى، قال: صحيح؟ قلت: نعم وكذلك في مشيته يحط رجل ويرفع الأخرى.

وإذا بالرجل البار يغلق المحل مسرعا إلى بيتهم ويقول لوالده هل آتي لك بالطبيب أم تستطيع أن تذهب معي قال والده: الطبيب لمن؟ هل والدتك مريضة؟ ام من؟ قال أنت. قال: والده أنا لم أشتكي من شي، وهل تراني أونّ؟ وأتوجع؟ من أخبرك بذلك؟ قال أبو محسن يقول إنه مر عليك وأنت تحط رجل وترفع أخرى وتمد يد وتؤخر الأخرى فإذا بوالده ينهمك بالضحك فعرف أبو ماهر أن في الأمر مكيده، ولم يتمكن من صيغة السؤال حتى بادره والده قائلا: وكيف يمشي الناس إذا لم يقدموا رجل ويؤخروا أخرى ولا بد أن تتمرجح أيديهم لتشد المسير، إن صاحبك أكلك طعم بلعته بدون ماء.

من قصص الواقع 1386