آخر تحديث: 18 / 10 / 2018م - 3:03 م  بتوقيت مكة المكرمة

الفلسفة ودلالة تلقيها عربيًا

محمد الحرز صحيفة اليوم

الإقبال على قراءة الفلسفة بحماس منقطع النظير، هي الملاحظة الأولى التي يرصدها المرء سواء عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر الحوارات المباشرة أو عبر الأنشطة المنبرية الرسمية أو المبادرات الشبابية الجماعية التي تعلن عن نفسها بوصفها تهتم بالشأن الفكري والفلسفي. الأمر لا يحتاج إلى جهد كبير كي نتعرف على السر وراء هذا الإقبال، فالحظر الذي مورس على الثقافة الفلسفية طيلة عقود مضت  في الدول العربية  جعل جيلا بأكمله يقبل على المعرفة الفلسفية قراءة وبحثا وكتابة دون تراخ أو ملل. يكفي الإشارة إلى أن الراصد لمعارض الكتب يلاحظ أن معدل الإقبال على شراء الكتب الفكرية والفلسفية دائما ما يحتل الصدارة.

يقودني هذا إلى السؤال عن الدلالة الاجتماعية والثقافية التي ترتبط بعملية القراءة ذاتها، وعن مدى تأثيرها في الأذهان من خلال ما تحمله نوعية الكتب من مواضيع ومضامين، تكشف بالتالي - بطريقة أو بأخرى - عن السمات العامة التي يحملها هذا الجيل في توجهه الثقافي؟

للإجابة عن السؤال، من المهم الإشارة أولا للصلة الوثيقة التي تربط بين حركة ترجمة الفكر الفلسفي الغربي باعتباره المرجع والمصدر المغذي إلى الثقافة العربية وبين الأوضاع العامة التي مر بها العالم العربي في فترات زمنية معينة، وأثرت فيه من العمق، بداية من التحولات السياسية في الخمسينيات من القرن المنصرم، وما جرى انطلاقا منها من تشكل الأحزاب والعقائد السياسية من قومية وماركسية وليبرالية وشيوعية إلى حد ظهور حركات الإسلام السياسي.

ثانيا - هذه الأوضاع كانت تتحكم بنوعية ما يترجم إلى القارئ العربي حسب العقيدة والأفكار السياسية التي ترتبط بسلطة القرار في عملية انتقائية لا تخلو من تعسف وتشويه. فالقوميون العرب على سبيل المثال كرسوا جهودهم في ترجمة الفكر والتاريخ بما يتوافق وفكرة القومية وأظهروا كأن تاريخ العالم العربي هو التجسيد الواقعي للفكرة ذاتها. والماركسية فعلت بالمثل، وكأوضح مثال يمكن الاستدلال بأعمال الفيلسوف كارل بوبر، ففي وقت تصاعد فيه المد الماركسي ومذاهبه المختلفة في السياسة والفكر والاجتماع وتسيده بقوة كانت أعمال هذا الفيلسوف تسير في الاتجاه المعاكس خصوصا ما يتعلق بموقفه من المادية التاريخية التي ترى وجود قوانين تسير التاريخ كما هي قوانين الطبيعة. لقد رفض بوبر هذه الحتمية التاريخية عند الماركسيين وكشف عن خطرها على المجتمع الذي يفضي في نهاية المطاف بالمجتمع إلى العنف والانغلاق. لذلك لم يترجم له للعربية طوال عقدين من الزمن من نهاية الخمسينيات إلى منتصف الثمانينيات سوى كتاب واحد هو «عقم المنهج التاريخي». لاحقا، حينما تراخت قبضة حركات اليسار بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وجدار برلين وانتشار مفعول العولمة ظهرت بقية كتبه مترجمة ك «المجتمع المفتوح وأعداؤه»، و» أسطورة الإطار» و» بحثا عن عالم أفضل» و» الحياة بأسرها حلول لمشاكل»، ناهيك عن الدراسات العربية التي تناولته بالشرح والعرض والمحاورة.

ثالثا - وهذا يؤكد ما قلناه سابقا في مسألة التحكم. والغريب في حين أن انتشار نقده وأفكاره عن المجتمع والديمقراطية والتربية والتاريخ هي السائدة عربيا نجد في أوساطنا الثقافية الإقبال على نقده لفلسفة العلم ومنطقه الاستقرائي هي الأرجح. ما دلالة ذلك، عندكم الإجابة؟!