آخر تحديث: 13 / 8 / 2018م - 11:59 م  بتوقيت مكة المكرمة

حديث عن الفرص الضائعة

يوسف مكي صحيفة الخليج الإماراتية

الدولة بمفهومها المعاصر ظاهرة حديثة، ارتبطت بالثورات الاجتماعية التي شهدتها القارة الأوروبية، وبشكل خاص الثورتين الفرنسية والانجليزية، وأيضاً بإرث عصر الأنوار الأوروبي: أفكار روسو، ولوك، ومونتسكيو، وكثيرين غيرهم. ولعلنا لا نأتي بجديد، حين نقرر أن الدولة بمفهومها التعاقدي، مؤسسات وممارسة، لم تتأسس بشكل كامل بعد في الواقع العربي، رغم محاولات عدة هنا، وهناك، لتجاوز الواقع القائم، وتأسيس كيانات عربية، على أسس مدنية، تعاقدية.

لقد تمت إعاقة نشوء هذه الدولة، من قبل الغرب، منذ وقت طويل، وتحديداً منذ اكتشاف رأس الرجاء الصالح، حين صودرت أدوار أهم الموانئ العربية، في الاسكندرية، وبيروت، واللاذقية، في تسيير التجارة الدولية، وأيضاً منذ جرى تهشيم مصانع النسيج المحلية، لمصلحة المصانع في لانكشاير وباريس.

لقد تسبب ذلك بتدمير الاقتصاد في بلدان المتوسط العربية التي كانت مصدر إشعاع التنوير العربي، في التاريخ المعاصر. فكان من نتائج ذلك، أن أجهض النمو الطبيعي للرأسمال المنتج، ولم يتواجد في الساحة سوى بقايا إقطاع، بلا حول، ولا قوة.

النتيجة المرة، للتطور المتكافئ بين الغرب وبين واقع العرب، هي تماسك ونمو التشكيلات الاجتماعية في الغرب الاستعماري، وهشاشة هذه الهياكل في واقعنا العربي. وقد عكس هذا الواقع نفسه بوضوح، على سلوكنا تجاه الاستبداد العثماني. لقد فرض واقع الضعف الاجتماعي والسياسي على العرب، أن يقبلوا بالتحالف مع بريطانيا وفرنسا، لإلحاق الهزيمة بالسلطنة العثمانية، ولكن هذا التحالف لم يتحقق بصيغة الشراكة، بل بصيغة الاستتباع. فكان من الطبيعي أن نشهد النتائج الكارثية لهذا التحالف، في اتفاقية سايكس - بيكو، ووعد بلفور المشؤوم.

وكانت الثغرة الرئيسية، في نتائج الحرب الكونية الأولى، هي تراجعنا عن مشروع الحداثة، باعتبارها صناعة استعمارية، في حين أن الأمر لم يكن كذلك مطلقاً.

لكن الهجمة الغربية على المنطقة، وتقسيم مشرق الوطن العربي بين المنتصرين، قد خلقت ردود فعل عنيفة، تجاه العناصر اللازمة لتحقيق النهضة والتقدم في منطقتنا، دفعت إلى نكوص للخلف، نتج عنه بروز الإسلام السياسي، بعدما يقرب من عقد من الزمن على انتهاء الحرب، ممثلاً في جماعة «الإخوان المسلمين».

وكانت هذه أول فرصة سانحة، تاهت وسط الغليان والغضب، للانتقال من التبشير بالفكر الحداثي الذي بدأت به حركة التنوير العربي، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، للدفع بتحقيقه، فكراً ونظرية وممارسة، خطوات إلى الأمام.

ولم تكن تلك هي الفرصة الوحيدة التي ضاعت على أمتنا. فقد شهد العصر الحديث عدة محطات انتقال رئيسية في موازين القوى السياسية والاقتصادية والعسكرية. وعند الانتقال من مرحلة إلى أخرى، هناك مرحلة من سيادة الفوضى، وضعف المؤسسات الناظمة للعلاقات الدولية. والأذكياء الذين يمتلكون ناصية الوعي والقدرة على التحليل والتفكيك، هم وحدهم من يستطيعون تجيير فترة الفراع لمصلحتهم، من دون تأجيل.

في نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، تأسس نظام دولي جديد، عكس نتائج الحرب، وعبر عن تطلعات المنتصرين فيها. تأسست عصبة الأمم، ووضع الوطن العربي، في أغلبه بصيغ مختلفة تحت الاحتلال الغربي. وفي المقابل صدر إعلان الرئيس الأمريكي ويدرو ويلسون بمبادئه الأربعة عشر عن حقوق الإنسان، مؤكداً حق الشعوب في تقرير المصير. وبغض النظر عن الأسباب التي دفعت بالرئيس لإصدار هذا الإعلان، وكانت مجال تحليلنا في مقالات سابقة، فإن العرب، كان بإمكانهم التركيز على هذا البيان، الذي بات انجيلاً سياسياً في حينه، يعتد به مثقفو الغرب، والضعفاء في العالم بأسره. لكننا شغلنا بلحظة ما بعد الاحتلال الغربي على منطقتنا، وأيضاً بالتصدي للمشروع «الإسرائيلي»، الذي بدأ تنفيذه مباشرة بعد إعلان وعد بفور، في شكل موجات بشرية مهاجرة من مواطنها في مختلف أرجاء العالم، إلى أرض فلسطين، تحقيقاً لنبوءة ثيودور هرتزل في إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.

وفيما بين الحربين، شغلتنا مقاومة المستعمر، عن صياغة برامج سياسية عملية لما بعد الاستقلال، ولم نتمكن من تقديم قراءة استشرافية، لواقع استعمار تقليدي قديم، في طريقه للانهيار، ليحل بدلاً عنه استعمار جديد، أكثر حيوية وفتوة، يحل محل القديم بعد الحرب العالمية الثانية، وبزعامة اليانكي الأمريكي.

مرحلة الحرب العالمية الثانية، هي مرحلة فوضى، وضعف للنظام العالمي، وانشغال الكبار بأمور الحرب، وكان من الممكن في ظل وجود قيادات عربية سياسية متماسكة ومقتدرة، أن تستثمر، لمصلحة مشروع نهضوي عربي جديد، ينقل الأمة من حال إلى حال.

لقد شاءت المقادير، رغم غياب التخطيط والقراءة الدقيقة للمستقبل العربي، أن يتسلم قادة وطنيون السلطة في عدد من البلدان العربية، لكن هؤلاء للأسف، ظلوا أسرى للتشكيلات البطركية في الواقع العربي، وبدلاً من أن يوحدوا جهودهم ويصوغوا برنامجاً عملياً للنهوض والتقدم بالوطن العربي، فإنهم عاشوا صراعات مع بعضهم بعضاً. صراعات بين القوميين واليساريين، وشعارات بين القوميين والقوميين. صراعات بين البعث والناصرية، وبين البعث والبعث، وبين حركة القوميين العرب ونظرائها في الحركة، وانقسامات في متواليات ليس لها نهاية، وكل يدعي وصلاً بليلى. ولم يكن من مفر لتجاوز هذا الواقع إلا بتجاوز شبكة العلاقات القديمة، إلى مرحلة جديدة.