آخر تحديث: 20 / 10 / 2020م - 2:38 ص

تركيا والعلاقة مع الغرب

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

علاقة تركيا بالغرب، كانت دوماً مشحونة بإرث الماضي وتبعاته. وقد تميزت تاريخياً بالجذب والطرد. ولا يزال إرث السلطنة العثمانية يلقي بظلال كثيفة على هذه العلاقة حتى يومنا هذا.

لقد وقعت أجزاء كبيرة من القارة الأوروبية، تحت هيمنة السلطنة العثمانية أثناء فتوتها. وكانت تلك الهيمنة أحد أهم معالم قوة السلطنة أثناء حقبة صعودها، لدرجة أن سلاطين آل عثمان باتوا يطلقون على أنفسهم «سلاطين العالم»، بعد سيطرتهم على أجزاء مهمة وحيوية من أوروبا الغربية. وكانوا من قبل قد بسطوا سيطرتهم على بلدان البلقان.

وحين تذكر الحروب الصليبية، يحضر على الفور أن تلك الحروب انطلقت بتحريض من البابا في الفاتيكان، والهدف الأساس من تلك الحروب هو استعادة ما اكتسبته السلطنة في حروبها، من أراض أوروبية، والتوسع لاحقاً في سياسة قضم تدريجي لتشمل جميع ممتلكات السلطنة. وكانت الخاتمة في سياسة القضم هذه هي إنزال الهزيمة الماحقة بالسلطنة والقضاء عليها. وتلك واحدة من أهم نتائج الحرب العالمية الأولى.

وإذا استعدنا نظرية ابن خلدون في افتتان القوي بالضعيف، ومحاولة محاكاته في تقاليده، وعاداته، وثقافاته، فلن نجد مثلا يجسد رؤية ابن خلدون تجسيداً كاملاً أفضل من المثل التركي. فالأتراك لم يقبلوا بنتائج الهزيمة فقط، بل تبنوا نظاماً علمانياً، مطابقا للمسطرة الأوروبية. فقد أعلن مؤسس تركيا الحديثة، كمال أتاتورك، قطعاً جذرياً مع الماضي، ليس في المجال السياسي فقط، بل وتعدى ذلك إلى كل جوانب الحياة، بما في ذلك الحياة الثقافية. واعتمد الحروف اللاتينية بديلاً عن العربية التي سادت طيلة حقبة السلطنة العثمانية.

ورغم انسلاخ تركيا المعاصرة عن ماضيها ظل الغرب ينظر إليها باستمرار نظرة ريبة، وشك. ولم يقبلها نداً، وشريكاً له، واستمر المعشوق يتعامل بريبة وحذر مع عاشقه. قبل منه أن يكون حليفاً عسكرياً له، ولكن ضمن مصالحه ومنظوره لهذا التحالف. وكان لذلك التحالف ما يبرره، بالنسبة للغرب، سياسياً وعسكرياً واستراتيجياً.

فالموقع الجغرافي لتركيا، إن من حيث ممراتها الاستراتيجية، أو من حيث جوارها للاتحاد السوفييتي، وقربها من طريق الحرير، وأيضاً لكونها محطة ترانزيت بري يربط بين الشمال والجنوب، جعل من التحالف معها من قبل الغرب ضرورة قصوى، وملحّة.

وقد تعززت حاجة الغرب إلى التحالف العسكري مع الغرب، إثر انشطار العالم إلى معسكرين، شرقي وغربي، وبشكل خاص بعد صناعة أمريكا والاتحاد السوفييتي للقنبلة النووية. ففي الخمسينات من القرن المنصرم، تبنت إدارة الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، تطويق الاتحاد السوفييتي بحلف عسكري، يمتد من باكستان شرقاً، إلى تركيا غرباً، وتدخل فيه إيران والعراق، وتشارك فيه الولايات المتحدة وبريطانيا، وعرف في حينه بحلف بغداد، لكن المسمى تغير بعد إطاحة النظام الملكي في 14 يوليو/ تموز 1958، وانسحاب بغداد من الحلف، وبات يعرف بحلف المعاهدة المركزية «السنتو».

ومن أجل ذلك، تواجدت عدة قواعد عسكرية غربية تابعة للحلف في تركيا، وأيضاً لحلف «الناتو» الذي انضمت له تركيا عام 1952م، بعد ثلاثة أعوام من تأسيسه. لكن هذا التحالف لم يضع تركيا في موضع الشريك الكامل مع الغرب، في كل الصعد.

وظل الغرب يرفض أن تكون تركيا جزءاً من القارة الأوروبية، على الرغم من وجود بعض الأراضي التركية في هذه القارة. وكانت المواريث التاريخية القديمة تلقي بكلكلها على علاقة تركيا بالقارة الأوروبية. ولذلك رفض انضمامها بالسوق الأوروبية المشتركة، ولاحقاً بالاتحاد الأوروبي.

وكان من نتائج السياسة الاقتصادية الغربية السلبية تجاه تركيا، أن سياسة الأخيرة ظلت ترواح بين جنوح دائم نحو مد الجسور الاقتصادية مع القارة الأوروبية، وبين توجه نحو الشرق والجنوب، للتغلب على مصاعبها الاقتصادية، وتعديل ميزانها التجاري. وقد طبعت هذه السياسة، سياسات معظم رؤساء الحكومات في تركيا، منذ تأسيس تركيا المعاصرة، حتى اللحظة الراهنة.

وحافظ حزب العدالة والتنمية، بقيادة رجب الطيب أردوغان على علاقة بلاده التاريخية والعسكرية مع الغرب، لكنه بدأ جدياً بالمناورة والاتجاه نحو الصين وروسيا بعد تعافي الأخيرة، كما عزز علاقاته مع الجنوب، وبشكل خاص مع سوريا، قبل ما يسمى «الربيع العربي»، ومع دول الخليج العربي. وتبني مواقف تكتيكية في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وبخاصة تجاه الحصار «الإسرائيلي» المفروض على قطاع غزة. وبدا كأن أردوغان يتجه ببلاده نحو تبني سياسات مستقلة عن الغرب.

وكالعادة بالنسبة للغرب، بدأ الحديث عن خروق تركية لحقوق الإنسان، واحتضان للمعارضة التركية. وبدأت تبدو ملامح أزمة حقيقية بين أمريكا وتركيا، بعد الانقلاب الذي نسب إلى فتح الله غولن، اللاجئ السياسي في الولايات المتحدة. وقد بلغت الأزمة ذروتها عندما اتهم الزعيم التركي أردوغان، الولايات المتحدة بتنظيم انقلاب عسكري ضد حكومته.

وقضية القس الأمريكي، اندرو برانسون المحتجز في تركيا، والذي تطالب الولايات المتحدة بإطلاق سراحه وعودته إلى بلاده، ليست سوى القشة التي قصمت ظهر الجمل. والأزمة الاقتصادية التركية، لا يمكن إرجاعها للضرائب الأمريكية الجديدة فقط، إلا إذا كان هذا الاقتصاد من الهشاشة بحيث ينهار لأي سبب من الأسباب. وسياسة ترامب الضريبية ليست موجهة لتركيا وحدها، بل هي سياسة عامة، شملت الصين، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، وهي سياسة ضررها على أمريكا مستقبلاً، أكبر بكثير من ضرره على الدول المستهدفة.