آخر تحديث: 12 / 11 / 2018م - 6:46 م  بتوقيت مكة المكرمة

الإنسان قيمة ضائعة في هذا الوجود يجدها في الإيمان

أديب أبو المكارم *


حينما تمر على شباب المجتمع المسلم موجة من الإلحاد تسترعي انتباهه وتجذبه، وحينما تعصف بذهنه مجموعة من التساؤلات عن الذات، عن هدف الوجود، عن قيمته، عن علة خلق الكون، وعن خالقه، إضافة إلى تساؤلات كثيرة لا حصر لها تقفز في ذهن هذا الكائن المتميز بالعقل والتفكر، فلا بد لعلماء الدين والمفكرين أن يصدعوا بالأمر ويواجهوا موجة التشكيك والتساؤلات المشروعة بالحجج العلمية والمعرفية لا بالإهانة والتحذير والوعيد. موضوع الإيمان والإلحاد بات يلحّ على العلماء طرحه، وقد تناوله الشيخ حسن الصفار في الليلة العاشورائية الرابعة لهذا الموسم 1440 هـ ، تحت عنوان: الإيمان أقوى... مواجهة التشكيك والإلحاد.

المحور الأول: الإيمان حاجة فطرية عقلية.

حين يتفتق وعي الإنسان بوجوده في الحياة، ويتأمل الطبيعة والكون الرحيب وما به من مخلوقات متنوعة وما يحكمه من قوانين دقيقة، لا بد أن تنتصب أمامه تساؤلات عميقة، فهو كائن مفكر. منذ طفولته يبدأ بطرح الأسئلة على والديه. قد يتجاهلها حينًا من الزمن، لكنها تعاوده إذا لم يحل لغزها. ومن تلك التساؤلات ما يكون عن الوجود.

قال بعض المفكرين ليس هناك وجود، بل هو وهم، وهو أشبه بأطياف المنام. لكن هذا غير مقبول وكما يقول ديكارت: ”أنا أفكر إذن أنا موجود“.

مفكرون آخرون قالوا: إن الوجود صدفة. وضربوا مثلًا: لو جلست ستة قردة على آلات كاتبة وظلت تضرب على حروفها ملايين السنيين فلا غرابة أن نجد في أوراقها قصيدة لشكسبير، والكون كذلك. لكن هذا الكلام على غرابته لا يمكن أن يفسر لنا الوجود، فالصدفة قد تكون سببًا للوجود لكنها لا تفسر وجوده. القردة والآلات والأوراق من أوجدهم؟

هذا الكون الوسيع فيه أكثر من ألفي مليار مجرة، وفي كل مجرة مئتي مليار نجم، وحول كل نجم منظومة شمسية متكاملة، فكيف يكون صدفة؟! ولهذا قال آخرون بأن الكون خلق نفسه. لكن نظريات العلم الحديثة لا تؤمن بهذا، فللكون بداية فهو ليس أزلي. فمن خلقه؟

يدرك الإنسان وجوده. والقول بالوهمية والصدفة والخلق، ما عاد يتقبلها إنسان العصر. وتبقى الأسئلة تفرض نفسها عليه بفطرته، وعقله يدفعه للبحث عن إجابات، وهذا يقوده للإيمان.

المحور الثاني: هل العلم بديل عن الدين؟

لم يكن الناس في العصور السالفة الأولى يعرفون شيئًا كثيرًا عن الطبيعة وقادتهم تساؤلاتهم لعبادة ما اعتقدوا به. لكن تطور العلم أوضح وفسر كثيرًا من الظواهر، فما عادت الإجابات القديمة مجدية. يرون المطر ينزل فيدرسون ما هيته وكيف يتكون من تبخر البحار وتكثفه في الجو مع مؤثرات أخرى ثم ينزل مطرًا، فهو ضمن قوانين طبيعية ولا داعي لافتراض إله مجهول. إلا أن التأمل يقودنا إلى أن العلم فسر الظاهرة، لكنه لم يفسر لنا كيف حصلت عناصر الظاهرة، فالطبيعة لا تفسر لنا شيئًا من الكون بل هي بحاجة إلى تفسير. العالم الفيزيائي ستيفن هوكنج يقول: ”إن توصلنا لمعادلات تشرح كيف بدأ العالم، لا يعني أن الإله غير موجود، ولكن يعني أنه لم يخلق الكون عشوائيًا، لوكنه خلقه تبعًا لقوانين“.

فالعلم ليس بديلًا للدين، بل يوضح لنا كثيرًا من الغموض، ويلح في البحث عن إجابات.

يدعي البعض بأن الإجابات الدينية لا تقدم شيئًا محسوسًا، والعلم عودنا على قبول ما نحس به. وهو كلام غير صحيح، لأن الحقائق نوعان: محسوسة ومستنبطة. والمستنبطة لا نراها بحواسنا ولكن نرى أثرها. نحن لا نرى الروح ولكن نرى آثارها. وكذلك الإله لا نراه ولكن نرى آثاره.

المحور الثالث: الإيمان والمعنى في حياة الإنسان.

يدرك الإنسان محدودية وجوده في الحياة، ويواجه تحديات من داخل جسمه كالأمراض، وأزمات نفسية كالكآبة والانفعال، وفي علاقاته الاجتماعية. فيريد أن يفهم ذاته، وقيمتها في الحياة، ويتطلع إلى قوة تحميه حينما يرى نفسه أمام المخاطر..

هذه الحياة التي يحبها ويتشبث بها، ويرسم آمالًا طويلة يريد تحقيقها، هل يستطيع أن يدوم فيها؟ الموت يشكل صدمة عنيفة له. فكيف يواجهه؟

ليس هناك معنى للحياة والوجود إلا بالإيمان. المؤمن يؤمن بأن له إلاهًا خلقه لهدف، وجعل له قيمة، ويشعر بقربه منه أمام التحديات «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب». يسأله الخلاص في الشدائد: ”اللهم أنت ثقتي في كل كرب، وأنت رجائي في كل شدة“.

الموت ذلك الصدمة المرعبة عند الإنسان، هي غير ذلك عند المؤمن. فالموت عند المؤمن لا يشكل الفناء والنهاية، بل هو قنطرة وجسر يعبر به لحياة الخلود والنعيم الدائم. يخرج من الدنيا بطمأنينة ورضا: «يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية».

الإيمان يعطي المعنى الحقيقي في حياة الإنسان. وحينما نقارن بين حياة المؤمن وغيره نرى الفارق الكبير في الاطمئنان، مهما توفرت للإنسان المغريات. ولذلك فالمؤمنون بالله، من شتى الديانات، هم الأكثر في العالم، فنسبة الإلحاد في العالم كله 11 %. لأن الإنسان يجد قيمته وذاته بالإيمان. وإلا ما الذي يدفع الشباب المرفّه في الدول المتقدمة للبحث عن الديانات والإيمان وربما دخلوا في جماعات متطرفة؟! إنهم يبحثون عن قيمتهم في هذه الدنيا. الأولياء والصالحون كانوا يعيشون الثبات والصمود لإيمانهم بالله عز وجل.

العوامية