آخر تحديث: 26 / 9 / 2020م - 2:19 م  بتوقيت مكة المكرمة

مأساة وقف

أحمد العلي النمر

ينأى الكثير من المهتمين بالشأن الاجتماعي عن الحديث عن الأوقاف ومشاكلها في المنطقة، لأن الكثير منها لاسيما القديمة لا يُعرف عنها سوى أنها أوقاف يشرف عليها فلان أو آل فلان، فلا وثائق تعريفية ولا صكوك ولا حتى الهدف الذي من اجله أنشأ هذا الوقف، ولهذا فقد «ضاعت» أو «تلفت» أو «أُكلت» أو «احتُكِرت» الكثير من الأوقاف التي لو أنها استخدمت وفق ما أراده «الواقف» لتحقق الاكتفاء الذاتي للمجتمع في العديد من المجالات التي هو في أمس الحاجة لها في هذه الأيام، ولو أجرينا دراسة معمقة للأوقاف المعطلة في المنطقة لاكتشفنا أن 95% من أسباب تعطلها عائد إلى الإدارة السيئة التي أشرفت عليها
ومع شديد الأسف نحن في هذا الزمن نكرر أخطاء أسلافنا السابقين - رحم الله من مضى وأطال أعمار الباقين -

ونمارس نفس المنهج المتبع في تنظيم إدارة الوقفيات... أقول هذا الكلام من خلال تجربة عايشتها في مجتمعنا الحاضر في مدينة حديثة في هذه المنطقة... فعندما شعر أبناء تلك المدينة بالحاجة الماسة إلى مجلس «عام» للمناسبات الدينية والاجتماعية تحركت في دواخلهم روح البذل والعطاء اللامحدود، تلك الروح الإنسانية المتجردة التي يتصف بها غالبية أبناء هذا المجتمع الكرام، فنتج عن ذلك ولادة مجلس كان ولا يزال مصدر فخر واعتزاز لأبناء هذا المجتمع، ولكن القائمون على تأسيسه اتبعوا نفس المنهج التقليدي «القديم» في تنظيم أموره، فذهبوا بحسن نية وثقة تفوقان الوصف إلى من كانوا يتوسمون فيه الصلاح والتقوى والورع والتدين - وهو كذلك - ووضعوا بين يديه كل ما يتعلق بهذا الوقف من وثائق وأموال وطلبوا منه أن يتولى إدارة هذا الوقف بالنيابة عنهم... وهكذا كتبت «صيغة» الوقفية وقوانين إدارة الوقف بقلم ومزاج وثقافة من سيتولى إدارته، وبلا شك أن من يُعطى الحرية الكاملة في كتابة قوانين وأنظمة مؤسسة تحت يده فسوف يستثني نفسه من أي شروط جزائية أو ضمانات إجرائية في حال إخلاله بتلك الأنظمة، وسيمنح لنفسه كل صلاحيات المالك المتصرف، ولهذا لم يجد أي غضاضة أو حرج في أن يسمي المجلس باسمه الشخصي!؟... ولست هنا في مورد التشكيك أو الانتقاص من شخصية هذا الولي وأمانته ونزاهته ولكنني أقول إن ثمة أمور يفترض أن تراعى ويركز عليها عند تأسيس أي وقف «عام» أو عند كتابة صيغة وقفيته، لكي لا ندخل في متاهات ومشاكل مستقبليه نسمع عن مثيلاتها في مدن وقرى متعددة في منطقتنا، ومن غير الصحيح أن يُترك لشخص واحد مهما كانت مرتبة العلمية والثقافية كتابة نص وثيقة وقف جماعي يُفترض أن يراعى فيها حقوق المجتمع كافة... ربما كان هذا الأمر مقبولا في الأزمنة الغابرة، أما في زماننا الحاضر فالمجتمع يزخر بالعديد ممن لديهم خبرة في كتابة الاتفاقيات والوثائق، ولا يخلو البلد أيضا من مستشارين قانونين يمكن الاستعانة بهم في هذا المجال،

ورغم أن الوقف المذكور لا يتميز من حيث الحجم والموقع عن غيره من الأوقاف الكثيرة ألا أن له خصوصية تجعله من أهم الأوقاف في هذه المدينة، ذلك لأنه الوحيد الذي لا يختص بعائلة أو فرد، ولكن الواقع لا يشعرك بذلك، والواقع أيضا يؤكد أن ما يقدمه من خدمات للمجتمع في الوقت الراهن لا تكاد تذكر مقارنة بما تقدمه الأوقاف العائلية الأخرى في هذه المدينة... التي - والحق يقال - أنها تتنافس بكل أريحية وسخاء في بذل هذه المجالس لخدمة الدين والمذهب والمجتمع ولم نسمع منذ تاريخ تأسيسها أن أحدا حُرم من الاستفادة منها.... بينما قد لا يصدق القارئ الكريم حقيقة واقعية وهي أن شريحة كبيرة ومكون رئيسي من أبناء هذه المدينة ومن المؤسسين لهذا الوقف «العام» وبينهم فقهاء وعلماء وشعراء وأدباء حُرموا ومنذ أكثر من خمس سنوات من المشاركة في الفعاليات الدينية والاجتماعية في هذا المجلس «الوقف» والسبب في ذلك خلاف شخصي مع «الناظر» على ذلك الوقف، الذي من المفترض بديهيا أن يكون أول المبادرين لدعوة أمثال هذه الشخصيات المتميزة للمشاركة فيه حتى لو كان من أملاكه الخاصة فكيف والحال انه ليس كذلك؟!

أن مثل هذا الوقف من المفترض أن يكون جامع لأبناء المجتمع وعامل من عوامل الألفة والتواصل والتواد بين المؤمنين، أما أن تمارس من خلاله مقاطعة سافرة لمكون رئيسي في هذا المجتمع فهو عمل مرفوض جملة وتفصيلا، وقد يدّعِي مدعٍ أن أبواب هذا الوقف مفتوحة للجميع، إلا أن هذا كلام للاستهلاك المحلي فقط، لأننا لم نعهد أن قامة علمية أو أدبية أو شعرية احتاجت يوما أن تطرق الأبواب وتستجدي المشاركة هنا أو هناك، فمثل هؤلاء توجه لهم رقاع الدعوة أو يتم الاتصال بهم مباشرة ويُدعون للمشاركة بما يليق بمكانتهم العلمية والاعتبارية وهذا ما يجرى عليه العرف ألعلمائي والثقافي في هذه المنطقة والذي يدركه الصغير قبل الكبير.

وكما قلت آنفا ليس لهذا المبنى الأسمنتي قيمة مادية يُعتد بها، وفي مجتمعنا من رجالات الخير من بإمكانهم أن يقدموا

أكثر من ذلك بكثير، ولكن لهذا الوقف قيمة رمزية ومعنوية وتراثية لأبناء هذه المدينة، يهمهم كثيرا أن يشعروا عندما يتواجدون بداخله أنهم ليسوا غرباء وأنه منهم واليهم ضمن أنظمة وقوانين تطبق بالتساوي على الجميع.

إنني أدعو الأعزاء من الآباء والإخوان وجهاء هذه المدينة الذين ساهموا في مسيرة البناء والتأسيس أن يتذكروا في كل مرة يحضرون فيها مناسبة دينية في هذا المجلس أخوان لهم حُرموا من المشاركة فيه... تذكروا الفقيه الفلاني... والعلامة العلاني... تذكروا الشاعر زيد... والأديب عمرو... وآخرين تعرفونهم حق المعرفة... تعرفون تقواهم وورعهم وجهادهم وتضحياتهم معكم في تأسيس هذا الوقف وغيره... وتعرفون مشاركاتهم وإسهاماتهم في النهضة الثقافية والعلمية في المنطقة... ادعوكم للتأمل والتفكر... هل تجدون من اللائق أخلاقيا ودينيا وإنسانيا حجب مثل هؤلاء عن الاتصال بجمهور هذه المدينة من خلال هذا المجلس، وهل يا ترى بين بنود وثيقة الوقف بند «يعطي» «للولي» مثل هذه الصلاحيات؟! وهل انتم موافقون عليها؟ ّ... أنني على ثقة تامة أن أغلبكم غير راضٍ بهذا الوضع، ولكن هذا لا يعفيكم من تحمل جزء كبير من المسؤولية، وإن أبناء الأجيال القادمة لن ينسون لكم هذا الموقف،

أن مجتمعنا «المتقاطع» بحاجة إلى إعادة هيكلة وترميم، ولن نجد أفضل من هذا «المجلس التعاوني» لنبدأ في معالجة وضعه كمقدمة لمعالجة شاملة لهذا المجتمع... ماذا لو جلستم - أيها الوجهاء الكرام - جلسة مصارحة ومناصحة مع الناظر على هذا الوقف؟، وماذا لو طالبتم بإعادة النظر في بنود صيغة الوقف وتعديل الملتبس فيها؟، وماذا يمنع لو أنكم اخترتم مسمى جديد لهذا الوقف تكون له دلالات على تعاون وتكاتف أبناء هذا المجتمع بدلا من الاسم الشخصي السابق؟، ماذا لو اقترحتم تشكيل لجنة منتخبة - كممارسة ديمقراطية متاحة - تمثل جميع أطياف المجتمع لإدارة هذا المجلس بدلا من لجنة معينة من فرد «لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون»؟... أليس من حق من ساهم في تأسيس هذا الوقف ومن لم يساهم أن يعلم ولو بشكل إجمالي عن بنود صيغة هذا الوقف والى من سيؤول بعد رحيل الناظر الحالي أو عجزه - لا سمح الله -؟، أليس من المعيب والمخجل أن تغيب ثقافة المحاسبة والمسائلة في مجتمعاتنا وتحل محلها ثقافة المجاملة والصمت على حساب حقوق الناس وحرياتهم؟.

إننا إذا لم نفلح في تجاوز هذه العقبة وفي حال بقاء هذا «الوقف» على ما هو عليه فلن نجني سوى: -

1 - الاستمرار في مصادرة حقوق الآخرين وممارسة عين ثقافة الإقصاء والتهميش ونبذ الأخر التي تمارسها الحكومات المستبدة

2 - ترسيخ للفرقة والقطيعة والتمييز بين أفراد مجتمع يجمعهم مذهب واحد.

3 - ربما نستطيع تجاوز هذه الظاهرة السلبية حاليا ولكنها ستبقى بؤرة للتوتر والنزاع في المستقبل.

4 - الاستسلام لقيادة الفرد وتغييب لغة التشاور، وحرمان المجتمع من إسهامات الطبقة المثقفة وأصحاب الرأي.

5 - قطع سبيل المعروف و«تنفير» الناس من المشاركة في مثل هذه الخيريات خشية تحولها إلى ما يشبه المساهمات الوهمية أو تسلط فرد أو فئة عليها وحرمان الآخرين منها.

في الختام

هذه قصة مأساة «وقف» نارها تسعر تحت الرماد، مهيأة في أي وقت للاشتعال ما لم يسارع العقلاء لاحتوائها، ذكرتها هنا لنأخذ منها العبرة والدرس عندما نريد أن نؤسس لوقف خيري سواء كان عام أو خاص، ولكي نضع في حسباننا تغيرات الزمن وتطور المجتمع وما يطرأ على النفوس البشرية من تحول قد يكون في الغالب للأفضل ولكنه أيضا قد ينحدر للأسفل.