آخر تحديث: 16 / 11 / 2018م - 2:54 م  بتوقيت مكة المكرمة

مثل ما أوذيت

في سيرة خاتم الأنبياء والمرسلين ﷺ كل الدروس والعبر التي تحلق بأتباعه في فضاء البصيرة والقوة النفسية والفضيلة، فمن انفتحت نفسه وفكره على ذاك العطاء اللا محدود والمستمر رغم كل الظروف الصعبة المناوئة، يمسك بحبل الثقة بالله عز وجل والاتكال عليه في تدبير الشئون، مطمئنا متيقنا أن ما يصدفه من شدة وبلاء في محطات كثيرة في حياته، ترعاه المعية الإلهية ما استوثق بالصبر والاستقامة، وهل ما يواجهه الإنسان اليوم من إحباط وتحطم وأمراض نفسية وضعف في قواه، إلا بسبب السقوط المدوي أمام الأزمات والحيرة قبالتها، فلا يعرف كيف يتصرف وما عساه أن يعمل وقد حطت المصيبة على رأسه، فتأخذه الأفكار السلبية «الشيطانية» نحو اجترار الآلام والحسرة على ما مضى، وهول المفاجأة يكبل قواه فالواقع الصادم - كما يظن بنفسية منهزمة - أقوى وأشد من مواجهته، ولا يكلف نفسه مجرد البحث عن دراسة ما يواجهه من محنة والتفكير في حلول وخيارات ممكنة؟!

أما أعظم الخلق ﷺ فيواجه مهمة تحيطها الصعوبة من كل الجهات، وفي سبيلها لابد من توظيف كل جهده ووقته وطاقته النفسية لهداية الناس وإرشادهم نحو التوحيد ونزاهة النفس من الأرجاس، وبالطبع مع أمة يصف وضعها القرآن الكريم بالانغماس في الضلال المبين عقائديا وأخلاقيا واجتماعيا يحتاج الأمر إلى جهود جبارة لانتشالهم.

وأمام صلافتهم وخشونتهم في التعامل لم يوفروا طريقة للفرض والصد عن النور المحمدي إلا ومارسوها، فحسبوا أن لغة التهديد والوعيد التي ترتعد لها فرائص الكثير ستكون كافية في ردع الرسول الأكرم وكفه عن دعوته الحقة، واستعملوا الحرب الناعمة وتقديم الإغراءات لعلهم يظفرون بمطلوبهم فما فادهم بشيء، وكشروا عن أنيابهم ومارسوا عدوانا جسديا على النبي ﷺ وأصحابه حتى حثوا سفهائهم برمي فضلات الجزور عليه وهو يصلي، ولجأوا إلى الأذى النفسي وبث الشائعات التي يظنون أنها تنفر الناس منه ويصدون عنه، فنعتوه بالمجنون والكاهن والشاعر وغيرها فكانت هذه الدعايات تتبخر أمام عظمة رسول الله وخلقه الرفيع ومنطقه الحكيم في دعوة الناس، ويصرح القرآن الكريم «لنت لهم» بأن أحد أهم العوامل المؤثرة في استصباح النفوس وإشراقة الإيمان في القلوب هو الخلق الرفيع الذي لا يضاهى لرسول الله ﷺ، وكلما واجهه زعماء الضلال بالعناد وشن الحرب عليه كان يتجلى من رسول الله الثبات والسكينة وقوة النفس الجهادية في ميدان التبليغ.

هذه السيرة لشخصية عظيمة واجهت صنوف البلاء فلم يشتت جهوده ولا أصابه الوهن النفسي أو التفكير بالتراجع عن طريق الدعوة إلى الله تعالى، فهل ننهل من هذه السيرة في حياتنا ونجعل من الصبر على المتاعب ومواجهة الظروف الصعبة بالحكمة في التعامل منهجا وسبيلا لا نحيد عنه حنى نظفر بمرادنا؟

القوة الحقيقية والسعادة التي يجوب الناس بحثا عنها تكمن في قوة النفس ساعة المحن والمشاكل، فالتهور والهذيان بالبذاءة والشتم أو التفكير السلبي أو التخوف من المستقبل المجهول كلها لا تمت بصلة بنهج رسول الله ﷺ الذي خطه لأتباعه والسائرين على خطاه، بل نهجه وضع الخطوط العريضة في حياتنا وأهمها العلاقة بالله تعالى وطلب العون منه، والمثابرة في ميدان التعليم والدراسات والعمل الجدي، وتوجيه الطاقات نحو الخدمة المجتمعية التي تنبع من الإحساس بحاجات الآخرين والمشاركة الوجدانية مع آلامهم، فهذه سيرته ﷺ التي خطت التوحيد بنقش الحجر.