آخر تحديث: 16 / 9 / 2019م - 10:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

استعادة الذاكرة التاريخية

محمد الحرز صحيفة اليوم

بعد انقضاء أكثر من سبعين سنة على الحقبة النازية في ألمانيا، ورحيل جيلين من شبابها على الأقل ممن عاصروا هذه الحقبة، وتأثروا بها، برز في الأوساط الفكرية الألمانية - منذ مطالع الألفية الثانية - ما يشبه العودة إلى هذه الحقبة بعدما فرضت الحكومة الألمانية بموجب الدستور بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية ستارا حديديا على كل ما يتصل بتفاصيل هذه الحقبة التي عانى منها الشعب الألماني. فالجيل الثالث من هذا المجتمع لم يعايش الحقبة النازية ولم يتأثر بها مباشرة، بل تقاليد الذاكرة الاجتماعية المشبعة بالمنع والمحرمات والحديث العام عنها عززت من رغبة هذا الجيل في الميل والانفلات من هذا الستار المفروض على وعيها، والانجراف وراء الحنين إلى استعادتها تحت شعارات ورموز تمت بصلة إلى تلك الحقبة.

لذلك برزت دعوات في تلك الأوساط إلى فك القيد عن تلك الحقبة، وإطلاق يد الدراسات التاريخية في دراسة شخصياتها في مقاربات جديدة، وقد نادى المؤرخون منهم بفصل التاريخ عن الذاكرة في حال بدأت هذه الدراسات باستعادة شخصية هتلر أو غوبلز وزير حربيته. ويمكن توضيح هذا الفصل بالإشارة إلى التشبيه الذي استخدمته الروائية الإيطالية سوزانا تامارو في روايتها «اذهب حيث يقودك قلبك» فالذاكرة مثل الطعام الذي يظل لفترة طويلة مجمدا لا لون لا طعم لا رائحة وليس قابلا للهضم، وفي حال تسخينه تعود له الرائحة والطعم واللون. لكن ما يصاحب هذه العودة بالنسبة للذاكرة هو الألم الذي جرت وقائعه في التاريخ لأول مرة، ثم انقضت دون رجعة.

لكن جوبهت هذه الدعوات بالرفض خصوصا من الأوساط الأكاديمية بسبب الخوف من احتمال ظهور صورة مغايرة على سبيل المثال لهتلر مما هو محفور في الذاكرة، هذه مغامرة محفوفة بالمخاطر والمزالق على المجتمع لا يؤمن عقباها. لكن الفضول المعرفي عند الإنسان لا يمكن التغلب عليه أو حتى تحجيمه. وعليه فقد برزت الدراسات البيوغرافية التي تهتم بدراسة سير الأشخاص ونبش كل صغيرة وكبيرة في حياتهم وعلى رأسهم بالتأكيد كانت سيرة حياة الديكتاتور هتلر. لقد أظهر المؤرخ الألماني فولكر اولريش في كتابه عن هتلر ليس ذلك الوحش الدموي الذي ارتبط اسمه بالجرائم ضد الإنسانية والخلل العقلي كما يقول المتخصصون النفسانيون، بل ذلك الإنسان العادي الذي يمتلك قدرات تغافلها دارسوه من قبيل القدرة على الاستيعاب والمراوغة والخداع، والقدرة على الظهور بمظهر الودود حتى إلى ألد أعدائه، وبروده بالمقابل تجاه أقرب أقربائه، بالإضافة إلى امتناعه عن التدخين وعدم شربه الكحول وكان نباتيا.

والسؤال الذي أود طرحه هنا للقارئ في نهاية المقال: هل الخوف مشروع عند أولئك المفكرين الذين اعترضوا على مثل هذه المقاربات؟ أيهما الأهم الفضول المعرفي أم الحفاظ على قيم المجتمع وسلامته وأمنه؟!.