آخر تحديث: 23 / 1 / 2019م - 6:11 م  بتوقيت مكة المكرمة

مقولة عودة الدين في المجال العام

محمد الحرز صحيفة اليوم

عندما برزت هذه المقولة في المجال العام الغربي كان المفكرون الأكثر ترسخا في جذور العلمانية أصابهم نوع من الرعب، هذا الرعب عند بعض هؤلاء فسر على أنه معاد للدين بالمطلق. لكن الحقيقة خلاف ذلك. كان الخوف نابعا من عودة للتعصب الديني ويقينياته التي لم تبق في الذاكرة إلا الصور المرعبة، تلك التي خلفتها حروب التعصب الديني، عودة قد تطيح بمكتسبات عصر التنوير الذين رسخ مفكروه الحريات والحقوق ومنطق العقل والفردانية، وهذا ما لا يمكن أن تتحمله المجتمعات الأوروبية. إذن هذا هو الدافع الرئيس الذي جعل كبار الفلاسفة والمفكرين والاجتماعيين يعيدون مسألة الدين إلى مجال تفكيرهم واهتماماتهم كبول ريكور وهابرماس.

ثم إن أسباب العودة كما يراها أغلب هؤلاء كانت تمس المجال العام، أي أن لها ارتباطا وثيقا بثلاثة عناصر: المواطنة، والدولة، والهوية. لقد تغيرت خريطة هذه العناصر بفعل تحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية، لم تمس المجتمع من فوق، بل وصلت إلى وجدان الفرد وقيمه الأخلاقية والدينية وغيرته من جذوره كثيرا. فأصبحت مفاهيم مثل الحقوق والحريات والعدالة فاقدة للشرعية ومشكوكا في صلاحية مطابقتها للواقع، فانبرى الكثير من المنظرين والمتخصصين في إعادة النظر، وطرح النظريات والترويج للجديد فيها بما يناسب المتغيرات والظروف المستجدة. وعليه أصبح حضور الديني مشروطا بتلك العناصر ومدى موقعها في الدساتير والقوانين التشريعية، وليس مشروطا بما هو عقائدي في الديانة المسيحية كما سنرى بعد قليل في الجانب الإسلامي.

من جانب آخر، هذه العودة لا تخفي حقيقة كون الحضور الديني المسيحي لم ينقطع عن مجال الوعي الأوروبي، سواء في إنتاجه للمعرفة أو في إنتاجه للقيم الأخلاقية والاجتماعية. صلته الوثيقة بهذا الحضور، لا تؤكد سوى حقيقة واحدة، هي أن الدين المسيحي هو المرجع الأساس للثقافة الأوروبية القائمة.

أما في المجال الإسلامي فتحضر القضايا الدينية في مجال الشأن العام، ليس بسبب تحولات بنيوية تمس شخصية الفرد والمجتمع في علاقاته الأسرية أو الاجتماعية أو الثقافية والدينية والفكرية، بل تحولات غالبا ما تفرض عليه من خارجه، من خارج دائرته، وهذا الفرض يأتيه غالبا من باب السياسي بأحداثه ومواضيعه ومقولاته وسلطته. ونحن نقول مجازا: «الشأن العام» لأن ما يعنيه المصطلح لا ينطبق على المجال العربي، فإذا كانت لا توجد حدود فاصلة بين المواطن والدولة بالقوانين والتشريعات، والدساتير، فكيف يمكن الحديث هنا عن الشأن العام، أو عن مكوناته وارتباطاته بتلك العناصر؟

ولهذا لا يوجد سند قانوني أو تشريعي يضيء كل مقاربة لحل أغلب القضايا التي يكون ظاهرها دينيا وباطنها سياسيا.