آخر تحديث: 23 / 3 / 2019م - 4:51 ص  بتوقيت مكة المكرمة

«مشهد البحيرة»

كمال بن علي آل محسن

بين التفاؤل والتشاؤم خيط شفاف ورفيع جدا، لكنه ينقلك من ضفة إلى أخرى، ويحوّلُك من جانب مظلم معسعس إلى آخر منير مقمر، وحينما يلتقي النقيضان فعليك أن تحرر عقلك من قيود الصمت؛ ليتخذ قراره، ويثبته بكل قوة وثقة على جدار الصمت مشكلا نقشا نحاسيا ينبثق منه ذلك النور الذي يبدد العتمة والسَدَف، إنه قرار التفاؤل الذي هزم التشاؤم وبالضربة القاضية؛ ليسطع ذلك الأمل وتنطلق منه بداية الحكاية، حكاية تجسد التفاؤل في أبهى وأجمل وأبدع صوره، إنها حكاية «مشهد البحيرة».

مشهد البحيرة ذو ثلاثة ألوان: الأزرق وهو يرمز إلى صفحة ماء البحيرة المتلألئ النقي، والأخضر الذي يرمز إلى العشب والشجر، والأبيض ويرمز إلى البجعات الجذابة الآسرة المبهجة التي تتمايل في وسط البحيرة.

هذا المشهد هو صورة رمزية تخيُّلِيَّة تعبر بشكل عملي رائع عن النظرة التفاؤلية للأمور مهما كان واقع الحال، ومهما اشتدت الخطوب، وكثرت الموجعات والإحباطات، وتكالبت المشكلات وتفاقمت، فالعقل يشكل تلك الصورة باستمرار ودون توقف، بل ويعيدها مرارا وتكرارا، ويسعد بها دوما؛ لترتقي الحالة النفسية إلى أن تصل إلى أعلى درجات التفاؤل، فتكون هي - أي الحالة النفسية - والتفاؤل في حالة تمازج وانصهار، إنها أنت أيها الإنسان الذي تتقلب بك أحوال الأيام.

إن تطبيق «مشهد البحيرة» في حياتنا يحتاج إلى ممارسة ومران وتدريب، حيث التناقض موجود والتعارض واضح في نفس اللحظة بين المنغص والهانئ، المنغص وهو يمثل المكدرات، والهانئ وهو يمثل البحيرة بتفاصيلها التفاؤلية، فمثلا تتعرض لموقف محبط يسبب لك نوعا من الغضب، في تلك اللحظة الغضبية عليك أن تنفصل عنها وتنسحب بهدوء وبدون ضجيج وثوران واضطراب؛ لتنتقل إلى مشهد آخر مخالف ومغاير، مشهد يتسم بالروية والسكينة والارتياح، إنه مشهد البحيرة، وتعيشه بكل تفاصيله الرائعة.

تلك النقلة والقفزة بين المشهدين في الزمان والمكان والمشاعر تحتاج إلى تدريب وتدريب شاق، ولكن النتائج ستكون رائعة والفوائد كبيرة لذاتك التي بين جنبيك، ولنفسك البشرية التي تسعى إلى الاطمئنان والسعادة.

مشهد البحيرة كصورة رمزية لا تعني الهروب من المشكلات وعدم إيجاد الحلول المناسبة والناجعة لها، بل هو محاولة تفاؤلية تجعلنا نعطي المواقف التي نتعرض لها حجمها الفعلي وأن تكون ردة فعلنا طبيعية ومتوازنة لا تتعدى ال 10 في المئة أمام ما نتعرض له من الأحداث التي تأخذ باقي النسبة أي ال 90 في المئة.

قد يرى البعض أن مشهد البحيرة هو بمثابة حالة تفاؤلية بعيدة كل البعد عن الواقع ومن الصعب تطبيقها، وهي وإن كانت كذلك فلِمَ لا نجعلها قريبة من الواقع بل الواقع عينه؟!

في تدريبات التأمل نحقق عدة فوائد منها: التفكير الإيجابي والشعور بالاسترخاء والهدوء وصفاء الذهن وتنقية التفكير وتحسين الحالة المزاجية وزيادة مستويات السعادة، ولا يمكننا النجاح في تحقيق تلك الفوائد في وقت قصير، بل يتطلب ذلك وقتا طويلا، ولا أبالغ إن قلت: قد يتطلب الأمر عدة سنوات، ولن تظهر النتائج دفعة واحدة بل بالتدريج، وفِي مشهدنا «البحيرة» نستطيع أن نحقق ذات الشيء وفِي كثير من المواقف والتعقيدات والمشكلات.

يقولون: لا تحكم على الشيء قبل أن تجربه!

جرّبْ وكرر التجربة مرات ومرات، وإني لأظنك ستنجح في كثير من المواقف الحياتية؛ مما ينتج عنه حالة رائعة من السكينة التي تؤدي إلى الحصول على جرعات هانئة من السعادة التي هي مبتغى وأمنية كل منا.

إذا كنّا نملك سلاح التفاؤل ونستطيع أن نكون على قيده، فيمكننا عندئذ أن نعيش هذا المشهد الحالم «مشهد البحيرة» !