آخر تحديث: 21 / 1 / 2019م - 8:43 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الحقيقة في التأني

سلمان العنكي

نلومُ بعضَاً ونُعاتب وننتقد ويصل الحال إلى قطيعة رحم أو خصام صديق وهجران جار وإلى ندم وطلب عفو «قد لا نحصله» ونُحكم حداً أو تعزيراً وسجناً لقبولنا أو إصدارنا استعجالا أحكاماً جائرة على تصرف صدر مِن هذا وذاك دون التأكد من صحته أو صدق ناقله... «بعضها فتنوي وخطر ولا يخلو من نميمة أو غيبة وبهتان».. وما أكثر الحاقدين والكاذبين وجهلة الرأي واختلاف المفاهيم. وغياب الخُبرة وتشابه الأسماء والصور.

فتوى شرعية أو كاتب مقال قصد الفقيه أو الكاتب شيئاً نحن نجهله بمجرد القراءة على عجل نفسره على غير المُراد حسب مفهومنا. ونحكم... قال العالم وهذا ما قصده الكاتب خلافاً لماعنيا.

أحد الاصدقاء وضع صورةَ شبابه أيقونة نقلتُها إلى مجموعة وذيلتُها بعبارة «رحم الله من دعا له بالتوفيق وحُسن الخاتمة» أول المعلقين كتب «رحمه الله تعالى. مَن هذا المؤمن؟». فهم خلاف المكتوب وحَكَمَ.... نبتِرُ قولاً عمداً أو عجلةً ونشهّر تحقيراً بمن نكره.. ننتقد فلاناً لأنه انهزامي دون أن نعلم بالخفايا أو ثقافة الانهزام والثبات؟.

كم انهزام أثمر نصراً ومكسباً؟ وكم ثبات ولّد هزيمة وخسارةً.. العبرة بالنتيجة.. نوزع الأدوار.. الكل يرى في رأيه صواباً لا يحتمل الخطأ.. زيدٌ من الناس مذنبٌ. وما قيل عن ذاك غير صحيح.

نلوم عَمْراً لأنه ضُرِب.. أخطأ حين تنازل عن حقه... ندخل بيتاً جديداً لنبارك لصاحبه يقابلنا بشوق وحرارة ترحيب.. نعيب البيت كاملاً أو بعضاً بدلا من إدخال السرور عليه.. أحزناه وخرجنا... أما نحن فلا نقبل مَن يعيبنا.. «طرح الآراء والنصيحة والمشورة أمر طيب وحسن، ولكن. قبل التنفيذ والتنجيز لا بعد.. وإذا طُلِبَ منا لا فضولاً.. ألا أن نرى ضرراً حقيقياً يتعرض له من يعنينا أمرُه وهو غافلُ عنه.. او مناقشة لموضوع عام يعني المجتمع لابأس في ذلك».

نعاتب لأنه قال وفعل ويتضح فيما بعد ما قال ولم يفعل.. نقول لو عمِل كذا كان أصوب ثم نراه محقاً ونحن على خطأ ولا نقبل تصويباً من احد.... إنه فاشل. تاجر وخسر زرع ولم يفلح، توظف وما استقر الفاشل من يستسلم للفشل ويستجدي الغير.. هذا سعى ولم يُوفق.. ويأتي يومٌ ينتصر فيه على إخفاقاته.... كل مَن يعمل مخالفاً لرأينا مُعترَضٌ عليه.. ونطالب الجميع إتباعنا قولاً وفعلاً وذوقاً.. ما نسمعه عن متحاملين عليه سيئاً روجناه، حسناً.. أخفيناه.. مانحكم به اليوم جهلاً وتعجلاً ونخطئ فاعله.. نكتشف غداً أنه محق ولو تأنينا لخالفنا ما به حكمنا.

وتكمن أسباب تلك الاحكام المتعجلة في:

أولاً: الظن العشوائي.. بعض الظنون صائبة ولكن بعضها آثمة لعدم ألفهم أو الاستعجال أو قصد الإساءة لسمعة شخص مستهدف.

ثانياً: الحسد وخبث النفس يؤذيا إلى الاصطياد في الماء العكر بمجرد يَبلغنا موقف أو فعل أو قول عن شخص متتالية نجاحاته وإنجازاته ودائع صِيتُه الحسن نصوّب إليه سهام حسدنا... نتحين الفرصة لتدميره وقد حآنت..

ثالثاً: الجهل وفقد الخُبرة بأصناف المجتمع والثقة في الناقل للخبر قد يكون الناقل من المؤمنين الصادقين يغلب عليه الظن أن الجميع على شاكلته لا أحد يكذب أو ينافق أو يحسد.. والكل يخاف الله ويحب عمل ألخير... تخدعه المظاهر فينخدع.. يصدّق الكل فينقل ما وصله منهم ولثقة الآخرين به يصدقوه فينقلون عنه هو صادق لكنه نقل عن كاذب.

رابعاً: انعدام الثقافة بعض الحالات تحتاج إلى ثقافة وخبرة وعلم ذات صلة بالأمر لكشف الجوانب المرتبطة به.. وطرح البدائل والاحتمالات.. هل يوافق ما نُقل الواقع أو يعارضه؟ يمكن لجهلي بالطب أصدق ما يصلني عن حالة طبية معينة.. ولكن الطبيب هو من يقرر صحتها من عدمه... أي في حالات.. لا يُعتمد قول الناقل وإن كان صادقاً.

خامساً: عدم مراقبة النفس.. النفس أمارة بالسوء... إذا لم يكن وازع ديني بداخلنا ونخاف الله مما نفعل ويَقِيناً محاسبون عليه..... إذا لم يكن ذا إيمان لا يُستغرب منه اختلاق مالم يحصل وتقديمه بحرفية وأسلوب جميل لا يفنده إلا صاحب ثقافة وخبرة. وهذا الصنف من الناس يجب أخذ الحذرَ منه.

علينا التأكد من صحة اسم من نُسب إليه الحدث لا مجرد نقرأُ اسماً أو نسمعُ به أو نرى صورةً. نؤكد أنه فلان بعينه قد يكون خطؤٌ في الاسم أو مرادفٌ ومشابهة صورة.

التأكد مما نُقل وما المقصود منه؟ وهل هناك معان محتملة أخرى له.؟ حتى لا نُحمّل البريءَ الذي لا يعنيه الامر مسؤولية الحدث ونزيد.. ونغيّب الحقائق لهوى أنفسنا أو جهلنا.

أتذكر موقفاً في عام «1413» كنت مترافعاً وكالة في قضية بمحكمة وطلب موكلي الذهاب معي لمقابلة القاضي فذهبنا سوياً.. فأسمع موكلي القاضي كلاماً فاحشاً وغير لائق، فتم أتخاذ الاجراء اللازم ضده حسب النظام في مثل هذه الحالة.

بعد أربعة شهور كنت جالساً في مكتب دخل شخصان وما أن بدءا الحديث قال أحدهما إن فلاناً «وهو أنا» من يوم حصول القضية في المحكمة أُخِذ وإلى الآن أهله لا علم لهم بخبره.

أراد صاحب المكتب أن يقول هذا فلان فأشرت أليه لا ثم توجهت للقائل سائلاً قد يكون هذا الكلام غير صحيح؟ فقال ومَن دخل معه بل صحيح مائة بالمائة ومَن نقله ثقة لا يكذب وعلى علمٍ بالموضوع وكان حاضراً وقتها في المحكمة والقول ما سمعتَ.

صحيح أنا طرفٌ في أصل القضية ولكن لستُ جزءاً من المشكلة وعليه لم أُمس أو يُتخذ ضدي أي أجراء.. يتضح من هذا النقل. مغالطات البعض والثقة التي في غير محلها.. أدت إلى الحكم الخاطئ ونقله.

وأخيراً نقول التأكد ثم الحكم بما يناسب وراحتنا في تركنا ما لايعنينا.... لنا رأيٌ وللآخرين آراء وأذواق... وحتى لا نضطر إلى تملق من يعفو عنا أو نتعرض لما يؤذينا.