آخر تحديث: 26 / 6 / 2019م - 1:02 م  بتوقيت مكة المكرمة

كفاك تكبرًا ونرجسية

ياسين آل خليل

نحن قد نراعي طفلًا لم يتعدى عمره عامين أو أربعة في بعض تصرفاته لكونه يحتاج إلى اهتمام يتوافق مع مرحلته العمرية. أما أن تصدر من شخص قد ناهز عمره الخمسين أو أكثر وعلى حساب راحتنا، فلا أعتقد أن هناك من يرتضي ذلك لنفسه. أن تمتلك إحساسًا بأنك جدير بالاستحقاق في أن تكون مركز الاهتمام في كل الأوقات، فهذا أمرٌ ينتقص من قيمة الآخرين، عدا كونه تصرفًا غير محبب ولا يرتقي لأن ينسجم مع ما يراه العقلاء من الناس.

اذا حالفك الحظ ولم تقع ضحية نتيجة لعملك تحت مسئول يتصف بالنرجسية، فلربما سمعت أحدًا يسرد قصته وكيف أنه قد عانى الأمرّين جراء قربه من تلك الشخصية الغير سوية. ينظر النرجسي الى نفسه على أنه يحمل صفاتًا تجعله يتميز على غيره من الناس ويتعالى عليهم حتى وإن كان ذلك الشعور الذي ينتابه ضرب من الوهم الذي لا يلامس الحقيقة في شيئ. ذلك الإعتقاد يتبلور كفكرة عابرة في ذهنية هذا الشخص، فيغذيها وينميها فتكبر معه حتى تتحول إلى واقع يلتصق به ويُصدقه ويرفض بشدة محاولة أي كائن كان أن يخالفه أو يبذل أي محاولة لتغييره.

يتميز النرجسي بالحب المفرط لذاته. جميعنا نحب أنفسنا لكن بمستويات متفاوتة، إلا أن الحب عندما يصل الى درجة الإعجاب الجنوني بالذات فإنه يتحول الى مرض والعياذ بالله.

لا يخفى على أحد بأننا لسنا معصومون عن الخطأ وعندما نخطئ علينا أن نبادر الى الإستغفار من الرب الغفور ونلتمس العفو فيمن أخطأنا في حقه. هذا ليس واردًا في عقلية النرجسي، الذي يرى أن لديه كامل الصلاحية في أن يخطئ في حق من شاء متى شاء وعلى الطرف الآخر أن يتفهم ويتسامح معه مهما صدر منه من قول أو فعل.

شخصية النرجسي تُملي عليه أن يعتقد بأنه لا يوجد شبيه له في الخلق ينافسه، وأن لا أحد على هذه البسيطة يُقاس به طولًا وعرضا. نعم هو يؤمن بأن هناك قواعد على الآخرين أن يلتزموا بها ويطبقونها، إلا أنه في جميع الأحوال يستثني نفسه معتقدًا أن تلك القواعد وضعت لأناس هم دون المتوسط وأنه قد قد تجاوز تلك المرحلة بكثير.

النرجسي لا ينكر أنه متكبر ومتغطرس إلا أنه يتوقع من الآخرين أن يُلّبوا طلباته في كل الأوقات وبغض النظر عما يقوله ويفعله. عليك أن ترضى بانتقاداته لك وإن كانت في حضور الآخرين. عليك أن تتقبل كلماته الجارحة وغضبه واستفزازاته دون معارضة منك وإلا فعليك الاستعداد لمخاصمة قد تدوم سنين، وفي الأخير عليك أنت الآخر أن تأتي صاغرًا إليه وتعتذر. لا تتوقع من النرجسي أن يعترف بأخطائه، فهو لا يمتلك مفهوم الوعي الذاتي ولا يحمل ثقافة التسامح. كبرياءه لا تسمح له بأن يلوم نفسه، على العكس من ذلك، هذا ما يتوقعه من الآخرين وإن وقع الخطأ عليهم.

بقدر ما يكون الأمر مؤلما في تعاملاتنا مع النرجسيين، بقدر عدم الارتياح الذي يكسونا عند الابتعاد عنهم، لمعزتنا لهم وشعورنا بالغربة لفراقهم. إلا أن نفاد الخيارات قد يُبقي ابعاد النفس الخيار الأوحد أمام من سُدت في وجهه السُبُل، ليحفظ الإنسان كرامته وصحته النفسية. في الأخير لا بد من كلمة صغيرة أوجهها لأخي في الإنسانية. كفاك تكبرًا ونرجسية.