آخر تحديث: 24 / 8 / 2019م - 4:30 م  بتوقيت مكة المكرمة

التطور العلمي وتضعضع الهويات

يوسف مكي صحيفة الخليج الإماراتية

الهوية لا تتكون نتيجة الرغبة في العيش والبناء المشترك، ولكن نتيجة للعيش في ظل وضع أنشأه التاريخ، ولوجود عوامل موضوعية عديدة، تفرض نفسها على الرغبة في العيش المشتركد.

ناقشنا موضوع مفهوم الهوية، في مقالات سابقة، ولن نعود لذلك مجدداً. لقد أشرنا باختصار إلى أنها الخصائص التي تؤدي إلى الفصل، بشكل حاسم بين جماعة من الناس وأخرى. إن هذه الخصائص تأخذ أشكالاً مختلفة تبعاً للتطور التاريخي، في المجتمعات الإنسانية.

وقد ميز علماء الاجتماع، في دراساتهم، من أمثال إميل دورخايم بين المجتمعات البدائية، والمجتمعات المتقدمة. أرجع بعضها، انطلاقاً من استنتاجات عنصرية، التخلف إلى عوامل عرقية، وعوامل جغرافية أو دينية. وحدد هؤلاء العلماء، خصائص معينة، بين المجتمع الغربي المتمدن، ومجتمع العالم الثالث المختلف.

ووفقاً لتلك الدراسات، نظر إلى المجتمع التقليدي على أساس الاعتقاد بتقاليد اجتماعية موروثة، كدور شيخ القبيلة الذي يستمد قوته من آبائه وأجداده، دونما أدنى اعتبار لكفاءته ومقدرته. وأشير بشكل محدد إلى دور العلاقات العشائرية والطائفية والدينية، وإلى هيمنة أفكار متخلفة كالسحر والدجل والخرافة.

أما المجتمع الغربي، فقد وصف بالتقدم، وأنه قانوني وعقلاني، قائم على أساس الخضوع لقوانين ودساتير مدنية محددة، يتفق عليها المجتمع، من خلال المؤسسات الممثلة للشعب.

لقد وصف هؤلاء المفكرون المجتمع المتخلف بأنه مجتمع بدائي، بدوي، أو ريفي زراعي، ساكن، تقليدي، يسوده حكم الفرد، يقابله مجتمع مدني صناعي متحضر، عقلاني، متمدن، يمارس فيه الحكم بالتعاقد، ويفصل فيه بشكل حاسم بين الدين والدولة.

إن ما ينقص هذه القراءات، هو وضع تطور المجتمعات في السياق التاريخي. فما حدث في الغرب، هو نتاج ثورات اجتماعية كبرى، وتحولات سياسية، وثورات صناعية متتالية. فمفهوم المواطنة، لم يكن له وجود حقيقي، قبل الثورة الفرنسية. بمعنى، أن الهويات التي سبقت هذه الثورة، ونظيرتها في إنجلترا استندت إلى عناصر خاصة، لم يكن بينها مفهوم المواطنة.

الهوية إذاً، لا تتكون نتيجة الرغبة في العيش والبناء المشترك، ولكن نتيجة للعيش في ظل وضع أنشأه التاريخ، ولوجود عوامل موضوعية عديدة، تفرض نفسها على الرغبة في العيش المشترك.

لا يمكن بأية حال من الأحوال مناقشة تشكل الهوية، وحركتها وانبنائها من خلال مقاربة ساكنة، أو تصور متجانس، يلغي جملة التناقضات التي تفتعل داخل المجتمع. إن هناك حاجة ملحة للحذر، وإعادة القراءة والتحليل والتأويل؛ لأن كل ما هو اجتماعي قابل للسجال والجدل. والفاعل الاجتماعي، في سعيه لوعي الذات، تواجهه بالضرورة، مسألة «الغيرية»، في صراعه مع متطلبات عملية تشكل الهوية.

لقد كان من أهم النتائج التي أحدثها التطور العلمي - منذ النصف الثاني للقرن العشرين، وفي رسم بياني تصاعدي - التحالف بين التقانة والثقافة. لقد أدت هذه التطورات إلى اختراق الحدود الثقافية. ولأن الغرب مثّل المركز للثورات العلمية، في القرون الثلاثة المنصرمة، باتت هناك مركزية أوروبية، وصار لدينا ما بات معروفاً بما بعد الحداثة، حيث رواج الثقافة ذات الطابع الغربي، وتراجع إمكانية التثاقف بين مختلف الثقافات المعاصرة.

ويتعرض برتراند بادي، لتأثيرات العولمة، في أثننة العالم، حيث تتعرض ثوابت الهويات في كل مكان للزعزعة والتفكيك الذي يذوّب في الفرد كثيراً من الخصوصيات. لكن هذه الهجمة، بقدر ما أحدثت من اهتزازات في ثبات الهويات، فإنها ولدت خطاباً آخر، يؤكد الخصوصية الثقافية، ويعيد بعث الهويات ما قبل التاريخية. وكانت من أهم أسباب التذرر في البلدان العربية، التي طالها ما بات معروفاً بالربيع العربي بالسنوات الأخيرة.

إن مجتمعات العالم الثالث، بشكل خاص، تعيش حالة انفصام، مؤداها أن المنظومات الفكرية، تكون مغلقة ومفتوحة، في آن معاً. مغلقة بمعنى أنها تحمي نفسها، ومفتوحة، بمعنى أنها تغذي التأكيدات لصالحها. وهي على نوعين، منظومات يتصدر فيها الانفتاح قبل الانغلاق، وهو ما ينطبق على النظريات، ونوع آخر، يتصدر فيه الانغلاق. هذا الانفصام، يكون أكثر، في المجتمعات التي لم تدخل بقوة في الثورات العلمية، والتي هي في الواقع مستهلكة لها. إن القويّ علمياً، يسهم بفعالية، في تذويب العناصر التي تصنع الثقافات المحلية، بالمجتمعات الإنسانية، بما يحقق غلبة المركز على الأطراف.

وهكذا رأينا كيف تلعب تكنولوجيا الإخضاع، وصناعة العقول، وهندسة الإدراك، أدواراً مهمة، ليس فقط في كسر الممانعة الثقافية للبلدان النامية، بل ومن خلال ذلك تتمكن من تحقيق الغلبة الحضارية.

ولا تتردد الدول الكبرى، في استغلال التكنولوجيا المتقدمة، المتمثلة في شبكات الحاسب الإلكتروني، ونظم البث عبر الأقمار الصناعية، كي تتخطى برسائلها الحواجز الوطنية، للدول الأخرى، وتعمل على نشرها على نطاق عالمي، ما يؤكد فعالياتها كإحدى آليات الهيمنة الثقافية، يسعف هذه القوى، أن تدفق المعلومات يتم في اتجاه واحد، من الدول الغنية للدول الفقيرة، مما يعري المدى الذي تتعرض له قضايا العالم النامي. إن القوة المؤثرة في الوعي، تعد عاملاً حاسماً في تحديد نظرة الجماعة، وطبيعة أهدافها، والمسار الذي تسلكه.