آخر تحديث: 17 / 2 / 2019م - 8:46 م  بتوقيت مكة المكرمة

في أمريكا: القراءة والكتابة لا ينفصلان!

بسام المسلمي

في أمريكا، الطلاب يقرؤون ليكتبون. فكل المواد الدراسية تقريباً بما فيها الرياضيات، وفي جميع المراحل الدراسية أو أغلبها، وإن اختلفت في الكمية، تضم جانباً كتابياً. وأعني بالكتابة، الكتابة الأكاديمية أو القريبة منها، والتي تكون متسلسلة منطقياً مبتدئة بمقدمة ومنتهية بخاتمة. بعض المشتغلين بالتعليم يسميها ”الكتابة العملية“ أو ”الكتابة العلمية“. وبغض النظر عن المسميات، فإن تلك الكتابة، طالت أم قصرت، لها منهاج وطريقة بناء واحدة في أغلب الأحيان. فلابد أن تحتوي على مقدمة يشرح فيها الكاتب غرضه من هذا ”المقال“ أو ”التقرير“ أو ”البحث“ بأسلوب مختصر مضمناً طريقته في الوصول لذلك الغرض. ثم بعد ذلك، يأتي جسم البحث أو المقال والذي عادة يعبر عن الخطوات الإجرائية التي قام بها الكاتب كي يصل إلى غرضه. وفي الختام، تأتينا الخاتمة والتي تعبر عن النتائج التي توصل إليها الكاتب. ومهما تنوعت الكتابة في التقارير والمقالات والأبحاث «كتابة وصفية، كتابة مقارنة، كتابة نقاشية.... الخ» ومهما تباينت في الحجم والكمية، فإن الكيفية واحدة والمنهاج ذاته. ومن أساسيات تلك الكيفية وذلك المنهاج أن يكون ذلك البحث أو ذلك التقرير متسلسلاً ومترابطاً مبنى ومعنى، بحيث أن الكلمات والمعاني تشد بعضها بعضا وتقود بعضها إلى بعض ويخرج منها ما لا يمت إليها بصلة ليكون البحث أو المقال ”جامعاً“ و”مانعاُ“. ومهما يكن من أمر، فإن الطالب يتعلم ويتدرب على الكتابة العملية أو، قل، العلمية منذ المراحل الدراسية المبكرة، ويظل يمارسها طوال المراحل الدراسية إلى أن تتعمق وتزداد كثافة وتنوعاً في المراحل الجامعية. فلا ينتهي الطالب من المرحلة الجامعية إلا وقد أتقن مهارة الكتابة المخصصة لتلك المراحل إتقاناً تاماً.

ولذلك، فإن الطالب يتخرج في جامعته كاتباً جاهزاً في مجال تخصصه أو، إن صح التعبير، ثلاثة أرباع كاتب إلى أن يصقل أسلوب كتابته في الدراسات العليا ليصبح كاتباً محترفاً. فالكتابة في أمريكا جزء لا ينفصل عن القراءة والمادة الدراسية مهما اختلفت.

على النقيض من ذلك، فإن مناهجنا الدراسية لا تزال تفتقر افتقاراً شديداً إلى الجانب الكتابي. ولاوشك أن هذا له تبعات وسلبيات كثيرة وخطيرة لعل أبرزها الشح في الإنتاج الفكري المكتوب الذي تعاني منه جميع الدول العربية بلا استثناء، والذي يختلف عن أي إنتاج فكري آخر لما يتميز به - عادة - من الدقة والتريث في الوصول إلى النتائج. فمناهجنا، للأسف الشديد، ”نظرية“ أكثر منها ”عملية“. ومن المثير للعجب والذي يؤكد هذه الحقيقة أن تجد الكثير من الطلاب العرب في أمريكا ممن يجيد كتابة المقال «Essay» أو التقرير «Report» أو البحث «Research» باللغة الإنجليزية فقط مع أنه لم يتعلم الإنجليزية، ومنها الجانب المهاري الكتابي، بشكل مكثف إلا في معهد اللغة الإنجليزية وفي الجامعة. والحقيقة هي أن الطالب لابد وأن يتقن تلك المهارة لأن جميع المواد الدراسية تقريباً تتطلب واجبات ومهام كتابية غزيرة بدون إنجازها لن يستطيع ذلك الطالب أن يتخطاها. وهذا ما جعل أغلب الجامعات تفرد مركزاً للمساعدة في تقويم الكتابة للطلاب الأجانب والأمريكان على حد سواء.

الإشكالية الكبرى هنا أن نصيباً كبيراً من التقدم الذي تنشده الدول العربية لا يتحقق إلا بالنتاج الفكري المكتوب، بل إن تقدم الأمم وخلود حضاراتها لا يُقاس إلا بإنتاجها الفكري المكتوب والمحسوس. ولست هنا في معرض تقييم أو تقويم ولا حتى مقارنة مناهجنا الدراسية بالمناهج الأمريكية، ولكن ضمور أو غياب الجانب الكتابي العملي بات جلياً للنظر بحيث يلحظه حتى الذي يشكو من ضعف حاد في النظر! لحسن الحظ أن وسائل الكتابة والتدوين والتدريب عليها أصبحت متوافرة وميسرة ومتاحة للجميع، ولكن، وللأسف الشديد، لم نفد من ذلك كله حتى اللحظة. وهذا ما يشهد عليه إنتاجنا الفكري الضئيل الخجول مقارنة بما تنتجه الأمم الأخرى. ولعلي لا أبعد عن الصواب كثيراً إذا زعمت بأن الحل رهن إشارة وزير التعليم وذلك بإدراج الجانب الكتابي، الذي لا يزال محيداً، إلى مناهجنا بشكل أكبر. ولكن هل يفعلها؟