آخر تحديث: 3 / 3 / 2021م - 1:14 ص

«الدميري» و«الجنايني» ضحيتا الواقع المأزوم

سلمان محمد العيد

قبل اعوام قليلة عرض الفضائيات العربية مسلسل «عباس الأبيض في اليوم الأسود»، من بطولة الفنان المصري يحي الفخراني، هذا المسلسل يتمحور حول مواطن مصري مثقف «مدرس تاريخ» يدعى عباس الدميري قادته ظروفه الشخصية، وصراحته المتناهية الى ان يذهب الى العراق ليمارس مهنته كمدرس، فيصطدم بالواقع السياسي المتأزم هناك فيحكم عليه بالإعدام لأنه لم يقل ان صدام حسين هو مؤسس الدولة الأموية ومؤسس الدولة العباسية، وكانت وقتها حرية الرأي مساقة الى المقبرة والمقصلة، فالسجون في العراق اكثر من المدارس والمراكز الصحية، فما كان من هذا المدرس إلا ان هرب من المطاردة في العراق ليرى جثة هامدة غابت ملامح صاحبها، فما كان منه إلا ان وضع يده في جيب صاحبها المقتول فقام بعملية مبادلة بين جواز سفره وجواز سفر صاحب الجثة، ليفاجأ بأنه محكوم عليه بــ «تأبيدة» عمرها 25 عاما، وانه هو نفسه «عباس الدميري» محكوم عليه بالإعدام من قبل المهيب الركن صدام حسين، فوافق على مضض بأن يصبح «لطفي الجنايني» ويقضي عشرين عاما في السجن، لتمر الاحداث ويتعرض العراق لعملية غزو من الامريكان ويعود مليون مصري الى بلدهم، ومنهم هذا المصري «عباس الدميري» ولكن بجواز يحمل إسم «لطفي الجنايني».

وبدأت أحداث متداخلة ومعقّدة تدور على لطفي الجنايني المزيف وعباس الدميري الحقيقي، فكان أول الأحداث ان التقى بأولاد الجنايني الأصلي الذين يبحثون عن أبيهم، المهاجر لأكثر من عشرين عاما، فهم فقراء يرون ان والدهم القادم من العراق سوف ينقذهم من الفقر والمعاناة.. في المقابل يجد جفوة من عائلته الحقيقية، فولده «بيبرس» يرفض ان يكون هذا هو أبوه، وزوجته أم اولاده كذلك، فقد تزوجت من صديق عمره «محرّم» وبات والد ابنائها.. فصار طرفا بين العائلتين، فهنا يدعى «بابا»، وهو ليس كذلك، وهناك تتم محاربته، والعمل على تصفيته، وإبعاده، رغم أنه أبوهم ويحملون إسمه.. وتتطور الأحداث ليكتشف ان الأموال التي يعيش بها اولاده الأصليون هي إرث عمه البخيل، وهو الأحق بها، ولذلك يرفض إبنه «بيبرس» الاعتراف بوالده، لأنه لو اعترف بذلك فهذا يعني ان صلاحيته في المجموعة ستكون «صفرا» ولا يحق له التصرف في «مليم أحمر» فيها، فمن أجل المال لم يعترف بوالده الاصلي عباس الدميري، وقام بعملية نصب على زوج أمه والذي قام بتربيته، وصديق والده «محرّم»، واتهمهما بالتآمر على ثروة والده.

وبات عليه ان يحل مشاكل العائلتين، ويتحمل سلبياتهما، فمن ناحية الدميري واجه مشكلة ولده «بيبرس» الذي ارتمى في احضان بنت لعوب، لا تتقن سوى اللعب على الرجال وسرقة اموالهم، وقام بسحب 6 ملايين جنيه في غضون اشهر من الشركة، التي باتت على حافة الافلاس، ولا حل لها سوى تدخل عباس الدميري نفسه، لأنه صاحب الملك، ووالد الولد الطايش، الذي من أجل المال قام بطرد والده، رغم اعتراف عمه «محرّم» بأن هذا الشخص هو والده، لكنه يرفض ويتهمه بالنصب والسرقة والتآمر، وينقل التهمة ايضا الى عمه والذي قام واشرف على تربيته منذ نعومة اظفاره.. وحتى ينقذ هذا الوضع لابد ان يتدخل مع ابنه لينقذ ثروته وثروة ابنائه. كما ان ابنته الحقيقية «ليلى» والمتخصصة في التاريخ، والتي نشأت بينها وبينه علاقة مودة، كونه راح يعمل في بيع الكتب، وكان يوفر لها المصادر الخاصة ببحثها، هذه البنت ارادت والدتها ان تزوجها ابن الوزير، لكنها لاتريد الزواج منه، ولا ينقذها من هذا المأزق الا الدميري الحقيقي، فهو أبوها وولي امرها، وهو الوحيد الذي يستطيع ان يعترض على توجه الوالدة الراغبة في الوجاهة، والقرب من الوزير.

ومن جهة الجنايني، يفاجأ بأن صاحب الجثة التي رآها في العراق، واستعار جواز سفر صاحبها انه شخص مجرم سبق ان قتل شخصا في الصعيد، وهناك عائلة تطلبه بالثأر، فهي تريد قتل القاتل، واذا لم يكن فولده، في البداية جاؤوا لقتل الدميري على انه الجنايني، فلما ثبت لهم انه ليس الجنايني وإنما هو الدميري، عدلوا عنه ولكن نحو قتل ابنه، او يتم الاتفاق على صيغة، وهي ان يأتي المطلوب ويسلّم كفنه للعائلة في الصعيد امام الناس.. هذه العملية تحملها الدميري، بصفته لطفي الجنايني، وذهب الى الصعيد مع ابن الجنايني الأصلي، وسلّم الكفن وانهى عقوبة الاعدام وتبعات الجريمة التي ارتكبها والده. ورغم انه استطاع ان يخرج من عقوبة اعدام القتل، اذا به يواجه القضاء الذي حكم عليه بالاعدام غيابيا لقتل الصعيدي الذي يدعى مهران الدقش.. وفي الوقت نفسه ايضا تحمّل الدميري تبعات العلاقة التي اقامتها بنت الجنايني مع ابن القاضي، فعالجها بحكمته واستطاع انقاذ شرفها وقام بتزويجها من الشخص نفسه.. لقد تعامل مع حوادث ابناء الجنايني بصفته والدهم، وبصورة أبوية منقطعة النظير، فلا أحد يتحمل تبعات بهذا الحجم، «إعدام، وشرف، وقضاء، وسجن، ومطاردة»، وفي الوقت نفسه فهو ليس والدا لهم، ولا تربطه بهم غير نسب الصدفة وإبوة الظروف.

إن الدميري والجنايني على طرفي نقيض، فالدميري مدرس تاريخ، وكاتب، وصاحب رأي، ونظيف في حياته الدنيا، لا يسرق ولا ينصب، وحتى حينما عرض عليه صاحبه «محرّم» مساعدة مالية رفض.. بينما الجنايني جاهل ونصّاب محكوم عليه بالاعدام، وكان يعمل في السيرك، هرب الى العراق مطلوبا كونه قد قتل صعيديا.. بينما هرب الدميري الى العراق بعد ان تمت إقالته من المدرسة لأنه تحدث في قضايا في التاريخ من خارج المقرر. ومع هذا يأتي الدميري ويتحمل تبعات هذا الجنايني، وحتى كتابه الذي حمل عنوان «التاريخ كما يجب ان يكون» وهو من اعماله الايجابية نسب الى الجنايني اذ تم طبعه من قبل ابنته الحقيقية «ليلى» باسم لطفي الجنايني، فصار الناس يبحثون عنه بالاسم المزيف.

واظن ان هذه القصة ذات عبر عدة:

أولا: إن الديكتاتورية داء لا دواء له، مثلها مثل الحماقة، وربما كانت صورة أخرى من الحماقة التي تعيي من يداويها، وهذا الداء قد ينتقل ـ بصورة فجة واشد قسوة ـ الى المجتمع، فالدميري، فصل وتم تهجيره، وتم سجنه، بسبب درس تاريخ، فهو صاحب رأي تحمل مسؤولية رأيه، في المجتمع المتخلف، وصار محاربا من السلطات ومن المجتمع ايضا.

وربما أراد كاتب المسلسل أن يشير الى ان الديكتاتورية مرض، إذا أصيب به شخص يفقده جميع قدراته، فلا يرى الا نفسه، وتلك هي الحقيقة المرّة التي عاشتها امتنا العربية منذ أفول الدولة العثمانية وحتى يومنا هذا، وابتليت امتنا بأشخاص لا وسيلة لهم لحل أي اشكالية سوى الحديد والنار، ولعل أبرز نموذج لذلك هو صدام حسين، الذي يقتل للتهمة، فيحدث ان يقتل شخص بجرم أبيه، ويتم تهجيره لأن جده الخامس عشر من أصول غير عراقية!!!

فالعقوبة التي صدرت بحق «عباس الدميري» لا تتناسب مع الجرم الذي صدر منه، فهو من ناحية اوضح حقيقة تاريخية لا خلاف عليها، وهي ان صدام حسين لم يكن مؤسسا للدولة الأموية ولا للدولة العباسية، لكنه عوقب ايضا على جرم لم يرتكبه، ولم يصدر منه شيء.

ثانيا: إن المال كان محورا رئيسيا في معاناة الدميري، فمن جهة لم يعترف به ابنه لأجل المال، وحاولت زوجته الأولى «ناهد» رشاءه كي يبتعد، فالأمور مستقيمة قبل ان يظهر مرة واحدة، فالعائلة سعيدة وغنية ومستقرة، وما أن ظهر فلم يعد يعطيها ذلك الشرف، فعرضت عليه بضعة ملايين من الجنيهات كي يخرج عن حياتها وحياة أبنائها فرفض.. كما أن إبن الدميري الصغير رفض الاعتراف بوالده من اجل المال، ومن اجل السيطرة على الشركة، فتلك اشارة حقيقية الى تبدل القيم الإنسانية، وكيف ان المال يحدث تأثيرا لدرجة ان زوجة الدميري ترفض الاعتراف بزوجها من اجل المال.. كما ان الزوجة نفسها لجأت الى الدميري بوصفه والدا لأبنائها لا لشيء إلا لأن ولدها «بيبرس» صار «يلعب بذيله» وصار يلعب بالأموال، فالقيم المادية تولّد مثل هذه القيم.. فالعداء يقوم لأجل المال، والصداقة تتعمق من أجل المال.

ثالثا: هناك مجموعة قيم ومباديء أراد المسلسل ان يسلط الضوء عليها، منها ان الأوراق الثبوتية «البطاقة الشخصية، جواز السفر»، باتت تعطي صاحبها قيمة اكثر من حجمها، فهي تخالف الواقع، وهي عرضة للتزوير والتزييف، ولكن الذي يحصل أنها هي المقدمة على غيرها، فـ «الدميري» يعرفه الجميع، ممن عاصروه، منهم صديق عمره «محرّم»، وزوجته السابقة «ناهد»، والطاقم التعليمي في المدرسة التي كان يعمل بها قبل هجرته الى العراق، كل هؤلاء لم يعد لهم قيمة في ظل غياب الجواز والبطاقة، وبهما يصبح «الجنايني» المجرم المطلوب للعدالة هو «الدميري» الكاتب المثقف، فيظهر كتاب يشغل الوسط الثقافي بإسمه، ويأتي الصعايدة لكي يأخذوا بثأر والدهم منه، ولأنه لم يجد أي ورقة تثبت أنه «عباس الدميري» لم يتمكن من امتلاك شركته، ولا العودة الى موقعه كمعلم، ولا حتى الانفتاح على بعض أولاده. فلا أعلم هل باتت الأوراق الثبوتية اقوى تأثيرا من الإنسان نفسه وكفاءته وقدراته؟

رابعا: لقد اعطى المسلسل صورة ناصعة لقيم إنسانية، ينبغي ان تسود في المجتمع، وهي ان عمل الخير لا ينبغي ان يصدر من الإنسان لأقاربه فقط، صحيح «أن الاقربين اولى بالمعروف»، لكن شيوع الحالة الايجابية في المجتمع ضرورة، مهما كان الطرف المقابل، والمستفيد من ذلك الخير، بدليل ان الدميري قدّم خدمات جليلة الى ابناء الجنايني وهو لا يملك أي صلة بهم، فلا هم أولاده، ولا هو لهم بأب، لكنه ـ مع ذلك ـ مارس دور الأبوة بأبهى معانيها، فتحمّل معاناة الذهاب الى الصعيد مع «محمود» ابن لطفي الجنايني، وتعرضا معا لعملية اختطاف من قبل عصابة ترويج المخدرات، وتمكن من إنقاذه من عقوبة لجريمة لم يرتكبها، أي أنه وضع نفسه في فوّهة الموت من أجل «محمود الجنايني» وهو ابن الذي تسمّى بإسمه. والحال نفسه حينما حملت «مروة الجنايني» عن طريق الزواج العرفي من ابن القاضي، جاء وبكل شهامة وتعامل ايجابيا واستطاع ان يحل الاشكالية، وكان بإمكانه أن يقول لها ولأخيها: «ناركم تأكل حطبكم»، لكنها شيمة الإنسان العربي المسلم.. وتبعا لذلك يمكن ايضا التأكيد على ان المعلم والمؤلف والمثقف ليس في عالم التدريس والتأليف، وإنما في عالم الحياة والتداخل مع ابناء المجتمع، هناك المحك الحقيقي للثقافة فالثقافة موقف، وهذا ما جسّده عباس الدميري.

إن مسلسل «عباس الأبيض في اليوم الأسود» من اروع المسلسلات التي تستحق ان يشاهدها الإنسان، فيما عدا المبالغات والمشاهد التي تخدش الحياء وتبعث على التقزز التي لن يتخلى عنها القائمون على الفن المصري، رغم تراجع شعبيتهم في الوطن العربي لهذا السبب.