آخر تحديث: 20 / 7 / 2019م - 7:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

تشارلز تايلور وأخلاق المجتمعات الحديثة

محمد الحرز صحيفة اليوم

بخلاف ما يجري الحديث حوله من أن الحضارة الغربية المعاصرة تفتقر إلى الأخلاق وأن قيمها إن وجدت لا ترتبط سوى بالمنفعة والمصلحة، وإن تراكم الأشياء المادية في الحياة هي منتهى سعادة الفرد.

قد يكون هذا الكلام من جانب صحيحا، بحكم طغيان النزعة الفردية وما تولد عنها من حب وصل حد الهوس في الرغبة للتملك، وتفشي مظاهر الاستهلاك في جميع شؤون الحياة اليومية. لكن من جانب آخر، وبخلاف هذا كله، هناك تركيز كبير من طرف العديد من المفكرين الغربيين الذين اهتموا بالفلسفة السياسية والأخلاقية والعدالة والمجتمع وبلوروا العديد من النظريات والتحليلات الجديرة بالاهتمام والمناقشة، وسوف أختار واحدا منهم لأطرح بعض أفكاره ومقارباته حول هذه المسالة تحديدا، ألا وهو تشارلز تايلور.

هو فيلسوف كندي معاصر دافع في أطروحاته عن فكرة الاتصال الوثيق بين الحداثة والتقاليد اليهودية المسيحية، حيث شدد على أن الثقافة الأخلاقية التي تنسب للمجال الديني اللاهوتي لم تختف بمجيء الحداثة بتقاليدها العقلانية الصارمة، بل ظلت تعمل في قاع اللاشعور للمجتمع الغربي وتؤثر فيه من العمق. ومن فرط عمقها أصبحت مهملة ولا ينظر إليها نظرة الاهتمام.

لقد ظل تايلور يجادل بأفكاره أغلب معاصريه من أنصار فلاسفة القطيعة والاختلاف الذين يرون أن القطيعة تامة بين هذا التقليد والحداثة، وأكد في أغلب كتبه على أن المرجعيات التي ترتكز عليها الصلة بين الاثنين لا تمتد فقط في مجالات السياسة والاقتصاد والمجتمع، بل إن روح المجتمعات الغربية وهويتها وذاكرتها قائمة على تلك الصلة. وحتى يثبت الصلة ويرسخها رجع إلى البدايات ونقب عن تراث أفلاطون مرورا عند أوغسطين ولوثر والإصلاح الكنسي وديكارت وهيغل كي يصل إلى الخلاصة التي تقول: «إن ما تغير في المنعطف العلماني للمجتمعات الحديثة هو المفاهيم فقط وليس المضامين»، فمفاهيم مثل «الإرادة الخيرة» عند كانط، أو «الدافع الداخلي» للطبيعة عند روسو وغيرها الكثير من المفاهيم لا تتجاوز دلالة المعنى العام «للعفو والمغفرة» في التراث المسيحي.

في كتابه «منابع الذات» الصادر عام 89م باللغة الإنجليزية وترجمه للعربية حيدر حاج إسماعيل. المنظمة العربية للترجمة 2014م. بعدما أثبت الصلة بين تقاليد التراث اليهودي المسيحي والحداثة كما قلنا، شرع في تفنيد مقولة انحسار القيم الأخلاقية عن المجتمعات الحديثة، مبينا ضرورة الارتباط العضوي بين القيم الأخلاقية والمعنى الذي نعطيه لوجودنا في الحياة، دون ذلك لا يستطيع الإنسان أن يمتلك القدرة على الاستمرار في الحياة أو العيش. لذلك أوجد مصطلح سماه «الخيرات العليا» تندرج تحته القيم الأخلاقية للحداثة المعاصرة، وقد فصل في تلك القيم التي جاء منها تقديس الحب وإعطاؤه قيمة تضاهي قيمة الحياة نفسها، فالحب هو الذي يعطي شرعية الحياة بين الرجل والمرأة، وعلى أساس هذه الشرعية، يكون الزواج هو عنوان الحب. قيمة العمل أيضا أصبحت محورية في الحياة العامة بخلاف ما كان ينظر إليها في السابق، بحيث كان أصحاب الطبقات العليا والملاك في المجتمعات القديمة لا يشتغلون مطلقا، أما الآن فأرباب العمل والشركات الكبرى يباشرون العمل بأنفسهم. بمعنى آخر أصبح العمل في «أعلى درجات السلم الاجتماعي بعدما كان في أسفله». قيمة الحرية الفردية وصون حقوق الإنسان وكرامته والقوانين التي وضعت لأجل قدسية الحياة الإنسانية. السعي الحثيث والدائم لتحسين شروط حياة الإنسان بفضل التطور التقني في جميع مجالات الحياة، سواء في المجال الطبي أو السكني أو البيئي.