آخر تحديث: 20 / 5 / 2019م - 11:06 م  بتوقيت مكة المكرمة

حكاية قلب

توفيق الأسود

القلب حكاية روح تحيا بكلِّ ما فيها، والنبض فيه يسطِّر معانيها، وتدفُّق الدم به كبحر يطوي بين أمواجه أحداثًا تتلاطم لتشكِّل معنى الحياة بالحلو في أيامها والغصِّ في لياليها...

قلبي، إن توقَّف نبضك يومًا وتجمَّد الدَّم فيك، فاعلم أنَّك الآن ختمت قصَّة حياتك بكلِّ ما فيها، وأغلق الستار عن قصَّةٍ طالما كنتَ ترويها، أنت صانعها ومؤلِّفها وراويها، وكثيرًا ما تكون أنت أيضًا مستمعها ومحييها، ويوم القيامة تكون شاهدًا على كلِّ ما فيها.

قلبي الصَّغير، حدِّثني وقصَّ عليَّ قصَّةَ حياتك فيما مضى فيها، وفتحت له أذني فرأى قلبي ألمًا يغالبه لا يدري من أين جاء فغشاه وأعياه وأنساه حلو ما فيها، وهدم به قصورَ الفرح بعد ما كان يبنيها، مشيدة تعلو فوق سحاب الهمِّ تكسوه فأصبح الآن يغطيها.

يا ألله! أكل هذا الحزن والغم دهاك يا قلبي وأعياك؟! لماذا الوحشة يا قلبي هاجمتْك وأعيَتْك، لقد كنتَ دائمًا أنت الذي يعييها بصبرك وجلدك، وسعادة كنتَ تبنيها رغم الصِّعاب.

يا قلبي، قل لي واصدقني: ماذا دهاك يا قلبي؟ قل لي: ماذا دهاك؟ ما فيك حتى يغشى الحزن العميق إيَّاك؟ ماذا يؤلمك في دنياك ما فيها؟! أمَتاع من متاع الدنيا لم تنله فأرداك؟ أم لأمنيات تمنَّيتها فعجزَتْ عنها قواك، أم لابتلاءات أصابتك فنفد الصَّبر منها فأعياك؟ اصدُقني يا قلبي ماذا دهاك ما فيك؟!

ولكن تمهَّل يا قلبي ولا تَظلم دنياك، ولا تقل: هي أعيتك، فلم أعهدك ظالمًا طوال محياك، اعلم يا قلبي أنَّها حقيرة فانية، وأنها ليست بدار مقام باقية؛ وإنما هي لَعب ولهو وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد، وأنَّها أيام قليلة زائلة، ولكن يا قلبي ليس هذا الذي أعياك!

تمهَّل يا قلبي وتفكَّر، هل أصابك الهمُّ لأقدارٍ قُدِّرت عليك لم تتحمَّل آلامها ومرارة ما فيها؟ أم هل جزعتَ يا قلبي؟ أم لم يعد لك زاد من الصَّبر تدفع به الهمَّ وتدافع عن نفسك به! ماذا دهاك؟ قل لي: ما فيك؟

تمهَّل يا قلبي، وقل لي: ماذا دهاك؟ فلم أعد أحتمل صمتك فما يؤلمك يؤلمني، وما يدميك يدميني، فقل لي واصدُقني: ما فيك؟!

هاج قلبي باكيًا، أتتساءلين: ماذا دهاك وما فيك؟! ففي الضَّنك جعلتِني أحيا فأنتِ السبب، اصمتي ولا تقولي ثانية: ماذا دهاك وما فيك؟! اسمعي منِّي وافهمي وعِي كلامي؛ لعلَّ حزني ينجلي، قولي لي أنتِ: أين نبض الذِّكر الذي يملؤني، والقرآن الذي كان يسري فيَّ فيُحييني؟ لماذا أضعتِ فرحًا كان يغمرني ويغشاني؟ لماذا بعدتِ عن ربك؟ لماذا الهجر للقرآن؟ ثم تقولين لي: ماذا دهاك؟ ما فيك؟!

أضعتِ زادي في دنياي، فكدتُ أموت من الإعياء من الإهمال؛ من نقص الخشوع فيك، من نَقر الصلاة، وغيابِ إخلاص، وقيام ليل واستغفار بالأسحار أهملتِ، فقد ضيعتني وظلمتني وتُهت فيكِ، فويلي يوم ألقى ربي، ثمَّ تقولين: ماذا دهاك ما فيك؟!

صار الفساد ينخر قواي فأعياني وأدماني، أفيقي، إنِّي أموت والدم في مجراي، ولا تقولي: ماذا دهاك ما فيك؟! أفيقي، أم تريدينني أن أسرد بقيَّة قصتي، قصة قلبٍ تاه ولم يصدق مع ربِّه في دنياه، ولتعلمي ما أصابني وما أُعاني، ولا تقولي: ماذا دهاك ما فيك؟!

صرختُ بكل قواي: كفى يا قلبي، اصمت، فقد علمتُ الآن ماذا دهاك وما فيك، كفاك لومًا فقد أزلتَ عنِّي غشاوة طغتْ عليَّ فأعيتك، فصار الحزن يجري فيك.

الآن فقط علمتُ ماذا دهاك وما فيك، أفقت يا قلبي، فاطمئنَّ، سأصلح ما أفسدتُه منك وفيك، وقريبًا ستسرد عليَّ قصة قلب يحيا بحبِّ الله صدقًا ولن يكون للكذب مكان فيك.

مولاي، قد استوحش القلب دنياه، وصار هرمًا من الهمِّ الذي أدماه، وصار الحزن رفيقَه في صباحه وممساه، فبقربك يا رباه تحلو الحياة، رباه ما لي إلَّا إياك يا رباه، فخذ بيدي واغفر لي ذنوبًا طالما غفلتُ عنها يا رباه، وأحْي قلبي بالهدى والدِّين يا ألله.

ربي ومولاي، وخالقي ورازقي، أنت حَسبي وأنت عدَّتي، إليك قلبي ضارعًا باكيًا منيبًا لما فرَّط من الطاعات والإخلاص، وما اقترفت من عثرات، فأقلني من عثرتي، واقبل اللهمَّ توبتي.

هذه حكاية قلبٍ تاب وأناب وعاد إلى مولاه.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
أم?
[ القطيف ]: 14 / 5 / 2019م - 4:17 ص
رائع كلام من القلب
وفقنا الله وإياك للتوبة والرضا