آخر تحديث: 19 / 8 / 2019م - 9:22 م  بتوقيت مكة المكرمة

التصحيح.. التلغيم

محمد أحمد التاروتي *

يمارس البعض لعبة ”التلغيم“ عبر يافطة التصحيح، حيث يستخدم التخريب الناعم بواسطة استخدام اُسلوب، ”ان لله جنودا من عسل“، اذ يحاول هؤلاء الوصول الى الغايات الشيطانية، عبر عبارات جميلة وبراقة وأحيانا جاذبة، لاسيما وان الهجوم المباشر يواجه بالدفاع الشديد من الطرف المستهدف، مما يمثل مخاطرة غير محسوبة النتائج، الامر الذي يستدعي اختيار الوسيلة الناعمة، لاحداث اختراق حقيقي في القناعات، ومحاولة احداث انقلاب كلي او جزئي في المنهجية الفكرية، وبالتالي ممارسة النخر والتفتيت من الداخلي.

عملية التلغيم تتطلب قدرة ومهارة احترافية، فضلا عن إتقان الخطاب المناسب، لاسيما وان عملية الاختراق تتطلب اختيار الطريقة المناسبة لمخاطبة الطرف الاخر، نظرا لوجود تفاوت فكري في البيئات الاجتماعية، مما يستدعي دراسة تلك المجتمعات البشرية، للتعرف على الاساليب التي تحظى بالقبول، الامر الذي يفسر الاختلاف الكبير في نوعية الخطاب بين فترة واخرى، نظرا للمستجدات على الارض، مما يتطلب اختيار المفردات المناسبة، ”مخاطبة الناس على قدر عقولهم“.

الدخول الى المجتمعات يتطلب وضع برنامج مقبول، فالبعض يحاول استغلال بعض الازمات سواء الصغيرة او الكبير، من اجل اكتساب الشرعية لممارسة دور التصحيح، خصوصا وان حالة التشابك الفكري والتباين في طرح الحلول، واحيانا تباعد وجهات النظر، تفتح الابواب مشرعة، لانخراط الكثير في محاولة ايجاد الحلول المناسبة، الامر الذي يعتبر فرصة سانحة للحصول على الغطاء الشرعي، بحيث تبدأ المشاريع الشيطانية في البروز على شكل اقتراحات، تحمل حلولا سحرية، ولكنها تستبطن التخريب على المدى البعيد.

وجود القبول لاستقبال الحلول ”الملغومة“، مرتبط بالقدرة على تسويق هذه النوعية، من المشاريع الشيطانية من جانب، والافتقار للوعي وغياب الرؤية الصائبة من جانب اخر، فالعملية مرهونة بوجود هذه الأركان الاساسية، فاذا افتقرت لاحد العناصر فان النجاح يكون صعبا غالبا، الامر الذي يفسر الجهود الكبيرة لرصد الاموال الطائلة، في تسويق الحلول ”الملغومة“، عبر اطلاق الكثير من الحملات الاعلامية، وتسخير العديد من الطاقات، في سبيل نشر هذه الحلول، بالاضافة لذلك فان هناك جهودا كبيرة تبذل في سبيل تغييب الوعي الاجتماعي، للقضاء على مختلف انواع الرفض، والمقاومة من المجتمع، سواء من خلال اختيار الخطاب القادر على الاقناع، او شراء بعض الأصوات النافذة، مما يمهد الطريق امام احداث اختراق حقيقي، في بنية التفكير الاجتماعي.

استخدام الوجوه المقبولة اجتماعيا، يمثل احد الطرق المساعدة على تمرير ”التلغيم“، عبر الاصلاح، خصوصا وان الكثير من الشرائح الاجتماعية، تصاب بالتنويم المغناطيسي، بمجرد تصدر بعض الوجوه المقبولة المشهد الاجتماعي، الامر الذي يدفع لاختيار هذه النوعية من الشخصيات، لممارسة الخداع الناعم، فهناك العديد من الممارسات غير الاخلاقية، وجدت طريقها في المجتمعات البشرية، بواسطة وجوه مقبولة، سواء كانت تلك الشخصيات على دراية بأهداف تلك المخططات، او انخرطت دون ادراك كامل بماهية الاهداف الحقيقية، من خلال استغلالها بطريقة احترافية من قبل أطراف، تحاول ممارسة التخريب باستخدام شخصيات تجد مباركة اجتماعية.

تفويت الفرصة على مشاريع ”التلغيم“، مرتبط بالقدرة على القراءة الواعية، وإمكانية التعرف على النوايا الحقيقية، من خلال القراءة بين السطور، لاسيما وان التخريب الناعم يمثل الأسلوب الأفضل، للوصول الى الغايات المرسومة، بمعنى اخر، فان المجتمع مطالب بعدم الانخداع بعبارات التصحيح، والمفردات الجميلة والمنمقة، لتفويت الفرصة على تلك المشاريع الهادفة، لتفجير التماسك الاجتماعي من الداخل.

كاتب صحفي