آخر تحديث: 20 / 7 / 2019م - 7:27 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الوعدُ في أرضِ النقاء

كل أرضٍ من العالمِ يعيش فوقها بشرٌ هناك مكانٌ يهم كل الساكنين، لا بد أن يعرفوا أينَ يوجد وما وظيفته. في هذا المَكان يجتمع الخصماءُ دونَ الخصومة، والمختلفونَ دونَ الإختلاف. لا تفرقهم السياسةُ أو الدين أو الصنف أو الجنس أو العمر! هذا المكان ترفع إليه جميعُ الخصومات وتنتهي فيه كلُّ النزاعات.

عجيبٌ كيف يحضر الناسُ في هذا المكان في تواضعٍ أمام القاضي! يلبسونَ ذاتَ المَلبس، ويأكلونَ ذاتَ المأكل، وينامونَ على ذاتِ الفراش، يتوسدونَ ذاتَ المخدة دونَ أن ينظر أحدهم إلى الآخر ويتمنى ما ليس عنده، مع أن بعضهم كان يفترش الحرير ويتوسد الناعم قبل أن يصلَ هذا المكان، ولا يملك أيٌّ منهم سلاحاً! لكن مع جمالِ هذا المشهدِ السريالي الذي يفوق الواقعَ في البساطةِ والعدالة، يجب على كلِّ سكان الأرضِ أن يحلوا مشاكلهم خارجَ هذا المكان، فلماذا؟

أولاً: لا يستطيع من يحضر هذا المكان أن يُحضر معه غرائزه الحيوانية التي تمكنه من جلبِ الحكم لصالحهِ فلا بدَّ أن ينزع غرائزه خارجَ السور، فلا يكذب أو يتصنع أو يُزور الحقائقَ ليستغفل القاضي. يحضر كلُّ المتخاصمين في نقاوةِ الملائكة وينتهي الحكمُ في كل القضايا دون اعتراض. حالما يطرق القاضي بالمطرقة، الحكمُ نهائيٌّ غير قابلٍ للطعنِ في صحته ومشروطُ الإستئنافِ برحمةِ القاضي.

ثانياً: يعرف القاضي كلَّ تفاصيلِ الخلافِ والنزاع، فلا يحتاج أن يستمعَ للخصماء، ولكنه من بابِ العدالة يستمع للمدعي والمدَّعى عليه. لدى القاضي كل حيثياتِ القضية من ألفِها إلى يائها بالصوتِ والصورةِ والمكانِ والزمان، فلا مجال للخطأِ في الحكم. وليس لدى القاضي نزعةَ الظلم ولا يهمه من يخسر ومن يربح القضية.

ثالثاً: ربما يقبل المظلوم خارج المكان عوضاً رخيصاً عن ظلامته، وإن كان طيب القلبِ رضيَ دون مقابل. لكن عندما يكون الخصماء في المكان، لا يملكون مشاعرَ وأحاسيس ويحتاج كلُّ خصمٍ أن يأخذَ أكبرَ تعويضٍ من غريمه.

المشكلةُ مع صاحبي المنكوس كثير الخصومةِ مع الناس أنه كلما نصحتُه أن يحل الخصوماتِ خارجَ أرض النقاء يصر على تأجيلِ الجلسة حتى يكون مع خصومهِ في تلك الأرض. قلت له: فتش عن خصومكَ وتصالح معهم خارج الآن، بإمكانك رشوة القاضي أو تحريفَ الحقائق وقد ينتهي الأمرُ بالرضا بين الخصماء ولا تحتاج إلى التأجيل. ولو أجلتَ حلَّ الخصومةِ حتى تلك الجلسة لماذا تظن أن القاضي سوف يحكم لك بالبراءة وعلى خصمكَ بالإدانة؟

أليس كل منا له وجهة نظرٍ بعددنا تقريباً، نسخٌ مكررةٌ من أفرادٍ ومجتمعاتٍ وأمم؟! كلما اختلفنا أصبحنا كلنا مظلومين ليس بيننا ظالم، كلنا يدفع ببرائته ويريد رفعها نحو قاضي القضاة! زر تلك الأرضَ واسأل من احتكموا.

مستشار أعلى هندسة بترول