آخر تحديث: 3 / 4 / 2020م - 12:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

الحركة المعرفية في التراث الرضوي

روى أبو الصلت الهروي، قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا يقول: رحم الله عبدا أحيا أمرنا.

فقلت له: كيف يحيى أمركم؟

قال: يتعلم علومنا ويعلّمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا» «عيون أخبار الرضا ج 2 ص 275».

نقف مع بعض النقاط التي يمكن أن نلحظها في هذا الكنز الرضوي، والذي يحمل آيات المعرفة المفتحة للأذهان لمن تمعن فيها وطلب منها معينا يرتوي منه.

أولاها: أسلوب المبادة التنويرية والإثراء المعرفي وتنضيج عقول من حولك قبل أن يبادروك بما يجول في أذهانهم من تساؤلات، فالعصف الذهني والاهتمام بتشكيل الزاد المعرفي هو اهتمام بتكوين الشخصيات الإيمانية والعلمية القوية بعيدا عن مهاترات ضياع الأوقات وإهدارها فيما لا فائدة ترجى منه، فهناك مفردات ومفاهيم تحتاج إلى تعريف وتبسيط، وكذلك هناك من الخطوات المسلكية التي ينبغي تسليط الأضواء عليها، فالإمام الرضا لم يكن بعيدا عن احتياجات الناس المعنوية والمادية ولذا يعمل على قضائها، ومن تلك الأمور المهمة التي يؤكد عليها هي تحمل مسئولية التنمية المعرفية المجتمعية بكل السبل والطرق، فإنه إن انتشرت الحركة المعرفية وقويت وسادت فستكون لها نتائج مذهلة في النهضة التنويرية والتخلص من أثقال ضياع البوصلة الفكرية.

ثانيا: أبواب الرحمة الإلهية لمن يبتغي الاستظلال بها والظفر بشيء من نفحاتها كثيرة، أعدها الباري عز وجل لعباده المخلصين والمثابرين في طريق طلب رضوانه، فلا يتصورن أحد انحصار أبواب الرحمة الواسعة في باب أو جهة معينة كالدعاء والاستغفار والصلاة وقضاء حوائج الناس، بل رحمة الله الواسعة كالشمس المشرقة لها أشعة متكاثرة تنير البسيطة، والإمام الرضا يشير إلى أحدها بنحو الأهمية والأثر الكبير، وذلك لما ينجم عنها من التماس واقتداء بنهج الأولياء المصلحين الذين دأبوا على هداية الناس وإرشادهم نحو الحق بكل وسيلة، والتعريف بكنوز الحكمة والتراث المعرفي والسلوكي لأهل البيت بما يحقق للإنسان تكامل شخصيته ونضج عقله، لهو من خير الأعمال والطرق لانتشال الناس من دياجي الجهل والحيرة والتخبط والانحلال القيمي.

ومن هذه الأبواب المهمة هو باب معرفي وباب مسلكي، الباب المعرفي يتعلق بما ينثر من رياحين علوم أهل البيت لعشاق العطر الفواح للحكمة، فيعكفون على استخراج اللآليء من تلك الحكم والتي تشمل جميع شئون حياتنا وعلاقاتنا وآمالنا، مما يفيض على المرء النضج الفكري والرشد المنطقي السديد إن تمسك بحجزتها وآثارها.

والباب المسلكي يتعلق بتطبيقها وتجسيدها على أرض الواقع، فلا تحدث كثيرا عن الصدق أو الأمانة حتى يبح صوتك، ولكن ليرها الآخرون في تعاملك وحديثك حتى يألفوا التطابق والمصداقية بين فعلك وما تقوله، وأما تلك الازدواجية والانفصام بين القول والفعل فلن يغير ما ترسخ في أذهان الناس عنك ولو كتبت آلاف الأسطر النظرية عن القيم والمثل وأهميتها!

وآخيرا: إحياء أمرهم: لنلحظ ما يجري في وسط المعمعة والتناوش وتقاذف كرة الإساءة النارية فيما يتناقشون حوله، نحتاج إلى وقفة هادئة مع هذا الهدي الرضوي المنسجم تماما مع المفهوم القرآني للدعوة والحوار بالتي هي أحسن، فهل يعقل أن ندعو إلى هدي أهل البيت من خلال السب والشتم والقدح في الآخرين وأفكارهم ومعتقداتهم!!

إحياء أمرهم تعلم وتعليم، تثقف وتثقيف، فمتبعهم من تحرك نحو تكوين زاده المعرفي وجعله من أولويات اهتماماته، فبدلا من تضييع الأوقات والجلسات لنجعلها عامرة بذكرهم وسيرتهم والانشغال بقراءتها بتمعن واستخلاص الدروس والعبر منها، وأما تعليم الناس فهو تقديم علومهم نظريا وعمليا حينما نجسدها في سلوكنا وتعاملنا وعلاقاتنا.