آخر تحديث: 3 / 4 / 2020م - 2:26 م  بتوقيت مكة المكرمة

ذاك المثاب

قال تعالى: ﴿و َإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاس وأمنا ِ﴿البقرة الآية 125.

المثاب كلمة تدل على عدة معان، ومنها:

1 - المرجع والمآب، فالبيت الحرام مقصد لشحن النفوس المتعبة من صعوبات الدنيا وشقائها وتعقد ظروفها وعلاقاتها، فهدأة النفس وتخلصها من المزعجات ومصادر التشوش الفكري والحيرة والقلق لها منابع، وجوار البيت الحرام يعيد للنفس مكانتها والاهتمام بها بتزويدها بمقومات القوة ومواجهة التحديات، ومن جهة أخرى يعيد حساباته ويتحرك للتخلص من السلبيات، فالقيمة المعنوية للبيت الحرام تكمن في استشعار القرب من الله تعالى وتوجيه القوى والقدرات نحو التزود لعالم الآخرة وإعطاء الدنيا حجمها الحقيقي، فهي دار الفناء والرحيل وما فائدتها إلا عيش القناعة وعمارتها بالطاعة للمولى الجليل، وما أحوج الروح إلى تلك البقاع المقدسة التي تذكر بالله تعالى وتعينهم على معرفة جزئية بسيطة بعظمته فتورثهم التقوى والاستقامة!!

2 - والبيت الحرام مثاب بمعنى موضع الثواب الذي ينال فيه الحاج من الجزاء الحسن ما لا يراه في غيره من المواضع، فالحاج ضيف الرحمن استجاب لندائه وخلع عن فكره ونفسه الانشغال بأي شيء، وتفرغ وانقطع إلى الله تعالى يتقرب إليه بمختلف الطاعات والأذكار وتلازة كتابه، فهذه العبادة المخلصة أقل ما يلقاه الحاج من ثواب أن تغفر له ذنوبه وتعود صحيفة أعماله بيضاء بعد تلوثها بالمعاصي والمخالفات، ويقال له: استأنف العمل من جديد فيعود إلى دياره كيوم ولدته أمه ناصعا.

بل ونقرأ في الروايات الشريفة أن الذنوب تتساقط بالتوبة النصوح والعزم الأكيد على تركها وتجنب مسبباتها مستقبلا، ولكن تبقى في النفس كالعلقة البسيطة التي تحتاج إلى ظروف خاصة تنضج التوبة وتحقق وجودها بشكل أكيد وجلي، فلا يغفرها الباري عز وجل إلا في عرفة لمن شهدها حاجا مخلصا آيبا، وكمفهوم لهذا المعنى نجد في بعض الروايات ما يشير إلى فئة لا تذوب المعاصي من صحائف أعمالهم وإن حضروا عرفة، إنهم الأشقياء الذين أصموا آذانهم وأصابهم الكساح عن التحرك لتقويم سلوكياتهم، فلما يحدثوا أنفسهم بتوبة صادقة ولما تعترهم الرعدة والقشعريرة خوفا من سيئاتهم التي اجترحوها، فهؤلاء لم يفهموا القيمة الحقيقية للحج وأنه موطن محبوب للمولى الجليل ليقر الحاج بذنوبه ويتحمل عناء وألم الصبر على المعصية كما تحمل المتاعب ومشقة الذهاب إلى بيت الله الحرام.

3 - وقيل في معنى المثاب هو المكان الآمن الذي يلقى فيه عن قاصده كل خوف وقلق من المطاردة والظفر به، فالبيت الحرام له تلك المكانة المقدسة في القلوب فلا يتعرض فيه أحد لقاصديه بالأذى والضرر، فحتى في زمن الجاهلية الذي أظلمت فيه قناديل القيم والمثل في أكثرها، لم تخل قلوب الناس من تعظيم البيت الحرام ورواده وكف يد الظلم والبطش عنهم، بل كانت بقعة للسلام والأمان لا يرخص فيها حتى بالقصاص من معتد بتنفيذ العقوبات بالقتل أو التعزير حتى يخرج منه، وهذه الجنبة الروحية تأخذنا نحو تعميم تجربة الحج للتعايش السلمي والمدني بين جميع الأطياف المجتمعية مهما تباينت طبقاتهم وأديانهم؛ لتكون فكرة الاعتداء وسلب الحقوق ممقوتة عند الجميع ويطبقوها فيما رسم من منهجية لشحصية الإنسان الكريم، والذي يأمن الناس من سلاطة لسانه وعدوانية يده وبقية جوارحه لا لخوف مراقبة آلات التصوير «الكاميرا»، بل لما يمتلكه من وازع ديني ومخافة الله تعالى تدعوه إلى مجاهدة النفس ومقاومة أهوائها.

هذه الرحلة المباركة إلى البيت الحرام تنمي روح التسامح والصفح وتعلية شأن المثل الأخلاقية، وتدعو إلى التمرد على هتاف الغرائز المتفلتة وروح الانتقام والتشفي ممن وقع أي خلاف معه.

/p>

قال تعالى: ﴿و َإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاس وأمنا ِ﴿البقرة الآية 125.

المثاب كلمة تدل على عدة معان، ومنها:

1 - المرجع والمآب، فالبيت الحرام مقصد لشحن النفوس المتعبة من صعوبات الدنيا وشقائها وتعقد ظروفها وعلاقاتها، فهدأة النفس وتخلصها من المزعجات ومصادر التشوش الفكري والحيرة والقلق لها منابع، وجوار البيت الحرام يعيد للنفس مكانتها والاهتمام بها بتزويدها بمقومات القوة ومواجهة التحديات، ومن جهة أخرى يعيد حساباته ويتحرك للتخلص من السلبيات، فالقيمة المعنوية للبيت الحرام تكمن في استشعار القرب من الله تعالى وتوجيه القوى والقدرات نحو التزود لعالم الآخرة وإعطاء الدنيا حجمها الحقيقي، فهي دار الفناء والرحيل وما فائدتها إلا عيش القناعة وعمارتها بالطاعة للمولى الجليل، وما أحوج الروح إلى تلك البقاع المقدسة التي تذكر بالله تعالى وتعينهم على معرفة جزئية بسيطة بعظمته فتورثهم التقوى والاستقامة!!

2 - والبيت الحرام مثاب بمعنى موضع الثواب الذي ينال فيه الحاج من الجزاء الحسن ما لا يراه في غيره من المواضع، فالحاج ضيف الرحمن استجاب لندائه وخلع عن فكره ونفسه الانشغال بأي شيء، وتفرغ وانقطع إلى الله تعالى يتقرب إليه بمختلف الطاعات والأذكار وتلازة كتابه، فهذه العبادة المخلصة أقل ما يلقاه الحاج من ثواب أن تغفر له ذنوبه وتعود صحيفة أعماله بيضاء بعد تلوثها بالمعاصي والمخالفات، ويقال له: استأنف العمل من جديد فيعود إلى دياره كيوم ولدته أمه ناصعا.

بل ونقرأ في الروايات الشريفة أن الذنوب تتساقط بالتوبة النصوح والعزم الأكيد على تركها وتجنب مسبباتها مستقبلا، ولكن تبقى في النفس كالعلقة البسيطة التي تحتاج إلى ظروف خاصة تنضج التوبة وتحقق وجودها بشكل أكيد وجلي، فلا يغفرها الباري عز وجل إلا في عرفة لمن شهدها حاجا مخلصا آيبا، وكمفهوم لهذا المعنى نجد في بعض الروايات ما يشير إلى فئة لا تذوب المعاصي من صحائف أعمالهم وإن حضروا عرفة، إنهم الأشقياء الذين أصموا آذانهم وأصابهم الكساح عن التحرك لتقويم سلوكياتهم، فلما يحدثوا أنفسهم بتوبة صادقة ولما تعترهم الرعدة والقشعريرة خوفا من سيئاتهم التي اجترحوها، فهؤلاء لم يفهموا القيمة الحقيقية للحج وأنه موطن محبوب للمولى الجليل ليقر الحاج بذنوبه ويتحمل عناء وألم الصبر على المعصية كما تحمل المتاعب ومشقة الذهاب إلى بيت الله الحرام.

3 - وقيل في معنى المثاب هو المكان الآمن الذي يلقى فيه عن قاصده كل خوف وقلق من المطاردة والظفر به، فالبيت الحرام له تلك المكانة المقدسة في القلوب فلا يتعرض فيه أحد لقاصديه بالأذى والضرر، فحتى في زمن الجاهلية الذي أظلمت فيه قناديل القيم والمثل في أكثرها، لم تخل قلوب الناس من تعظيم البيت الحرام ورواده وكف يد الظلم والبطش عنهم، بل كانت بقعة للسلام والأمان لا يرخص فيها حتى بالقصاص من معتد بتنفيذ العقوبات بالقتل أو التعزير حتى يخرج منه، وهذه الجنبة الروحية تأخذنا نحو تعميم تجربة الحج للتعايش السلمي والمدني بين جميع الأطياف المجتمعية مهما تباينت طبقاتهم وأديانهم؛ لتكون فكرة الاعتداء وسلب الحقوق ممقوتة عند الجميع ويطبقوها فيما رسم من منهجية لشحصية الإنسان الكريم، والذي يأمن الناس من سلاطة لسانه وعدوانية يده وبقية جوارحه لا لخوف مراقبة آلات التصوير «الكاميرا»، بل لما يمتلكه من وازع ديني ومخافة الله تعالى تدعوه إلى مجاهدة النفس ومقاومة أهوائها.

هذه الرحلة المباركة إلى البيت الحرام تنمي روح التسامح والصفح وتعلية شأن المثل الأخلاقية، وتدعو إلى التمرد على هتاف الغرائز المتفلتة وروح الانتقام والتشفي ممن وقع أي خلاف معه.