آخر تحديث: 19 / 10 / 2019م - 3:22 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المجنون وليلى القطيفية

جلال عبد الناصر *

يقول مجنون ليلى قيس بن الملوح في واحدة من أجمل قصائده ”تَذَكَّرتُ لَيلى وَالسِنينَ الخَوالِي“ يقول... ”وَإِنّي إِذا صَلَّيتُ وَجَّهتُ نَحوَها.. بِوَجهي وَإِن كانَ المُصَلّى وَرائِيَ“...

وهي محاولة منه لأن يقول بصيغة مجازية حيثما تكون ليلى تكون القبلة، ولا تجوز الصلاة إلا نحوها.

تقول التراجم بأن قيس كان قد عاش في نجد، وبالتحديد في خلافة مروان بن الحكم. ولكن يبدو بأن روحه قد استنسخت في عصر التكنلوجيا، حيث ولد قيس آخر عشق ابنة عمه كما قيس، وفقد عقله كما قيس أيضاً.

حيث بدأت الحكاية في أواخر السبعينات حينما وقعت عين قيس القطيفي على عين ليلى القطيفية.

وأعتقد بأن تلك النظرات هي بمثابة عقد زواج مبكر لأُلفةٍ أبدية بينهما.

إلا أن رحى السنون قد طحنت ذلك المعتقد ليتناثر كما الغبار في أرض القطيف. ففي طفولته كان ينهي واجباته المدرسية سريعا، ثم يترك منزله ويذهب نحو البقالة القريبة ليشتري ”روبيان نسمة“، وعصير، وبعض الحلويات، ويتوجه نحو منزل عمه ويتقاسم معها الاكل وهما قبالة التلفزيون ويشاهدا معا مسلسل ”ليدي أوسكار“ و”توم سوير“. وما إن بدأت مفاتن ليلى تنمو حتى منع من الجلوس معها، ولكنه ظل ينتهز الفرص من حين إلى آخر.

لقد كان يكبرها بسنه تقريبا واحتمالية أن يتقدم لخطبتها شخصٌ آخر واردة جداً. وهذا ما دفعه لأن يتوجه للعمل بعد الثانوية مباشرة عوضا عن الدراسة في الجامعة. وكانت تلك النقطة محور خلاف مع والده الذي كان يحلم بأن يرتاد أحد أولاده الجامعة، والتي كان لها طعم مختلف في ذلك الوقت. إلا أنه لم يأبه لرأي والده، وعند أول محاولة منه لطرق تجربة العمل كان هناك من يطرق باب ليلى القطيفية.

فقد دخل رجل معمم ومن خلفه بن أخيه الشاب الذي تجمل بالعقيق والسبحة، وتوشح بغترة تفوح منها رائحة الكمبودي.

ولا أعلم ما الذي غير مشاعر ليلى فجأة. فقد تكون السبحة أو العقيق أو الكمبودي الذي كان يتطاير مع كل حركة يقوم بها ذلك الشاب. وما هي إلا أيام وحضر الشيخ وخلفه شاهدين، وتم العقد سريعا من غير علم أحد كما لو كانت معاهدة كامب ديفيد في زمن السادات.

وهنا كان التزامن بين أول راتب تسلمه قيس مع أول خليه عصبية لقيت حتفها في مخه، حيث لم يستوعب الصدمة ففقد توازنه وسقط على الارض. مبحلقاً في أمه محاولاً بتلك النظرات أن تخبره بأن الخبر مجرد مزحة أو كذبة.

ولكن الأمر قد حسم، فقد أعدت ليلى حقيبتها للسفر مع زوجها نحو العراق لدراسة العلوم الدينية، بينما تم فصل قيس من العمل. وفي الوقت الذي كانت ليلى تجلس في صحن الكاظم، كان قيس سجين غرفته. وبينما كانت ليلى تحتسي الشاي المخدر، كان قيس يعض بأسنانه يدَ أمهِ عندما تحاول فتح فمه كي يأخذ الدواء.

لم أعد أشاهد قيس في السنوات الاخيرة، وحين سألت أحد أقاربه عنه أخبرني بأنه مازال موجود في منزله مع والدته، التي فضلت أن تترك ملذات الحياة وتجلس بجانبه وتعتني به كما لو كان طفلا.

فهي تطعمه، وتحممه، وتعطيه الدواء، وترقد بجانبه. وقد يتبادر إلى الاذهان سؤال وهو.. هل من المعقول بأن يكون كل ذلك نتيجة فراق الحبيبة؟

والاجابة هي أن الناس عبارة عن قدرات وإمكانيات، وتختلف الدرجة من شخص لآخر. وفقدان الحبيبة بمثابة فقدان الولد لدى البعض، وكم هم الاشخاص اللذين فقدوا عقولهم نتيجة فقدانهم لأبنائهم.

ويبدو بأن الحب «الحقيقي» سلاح ذو حدين. إما أن تكون قيس بن الملوح وتموت عارياً في الصحراء، أو تكون ك «شاه جهان» وتبني قصراً كتاج محل تعبر فيه عن النصر الكبير.

اختصاصي نفسي وعضو في جمعية التنويم المغناطيسي الامريكية.