آخر تحديث: 8 / 12 / 2019م - 8:16 م  بتوقيت مكة المكرمة

النزعة الإنسانية في الرؤية الإسلامية

عبد الله العليان * الرؤية العمانية

الحديث عن النزعة الإنسانية، حديث يزداد اهتماما في العصور الحديثة، مع ظهور النزعات المضادة لبعض الفلسفات والأفكار، ولا شك أنّ الرؤية الإنسانية ليست نزعة حديثة برزت لأول مرة مع عصر الأنوار في القرن السابع وما بعده، كما يحاول البعض أن يجعلها انفتاحاً غربياً مع التحولات الفلسفية الحديثة، بل إنّ هذه النزعة، مبثوثة في الرؤية الإسلامية، من قرآن وسنة، ومن توجيهات عامة للالتزام بها في الحياة العامة منذ العصر الأول الإسلامي.

في كتابه الموسوم «الإسلام والنزعة الإنسانية»، للمفكر والباحث السعودي/ زكي الميلاد، حيث يقول في المقدمة أنّ الهدف من إصداره هذا الكتاب هو أن ”يفتح نقاشاً عاماً حول النزعة الإنسانية في المجمل الإسلامي، فاحصاً ومتتبعاً هذه النزعة في مصادرها ومنابعها الفكرية والدينية، لافتاً النظر إليها، ومنبهاً عليها، في سبيل إحيائها وتجديد المعرفة بها“.

والحقيقة أنّ النظرة أو النزعة الإنسانية لاقت رواجاً كبيراً مع ظهور الفلسفات العنيفة في الغرب والحروب الكبيرة بينهم، لكن المسلمين، لم يعطوا الاهتمام الكافي بهذه القضية المهمة فكرياً، مع وجودها في مصادرهم، لكن العديد من الباحثين والمستشرقين، اهتموا بهذه النزعة، لكن بعضهم يحاول أن ينسبها لفكر الأنوار، وحتى ما قبله، والتقليل من أهميتها في الإسلام.

لكن كما يقول زكي الميلاد ”بإمكاننا حشد ما لا يمكن حصره من الأدلة والبراهين والقرائن، ومن القيم والتشريعات والأخلاقيات، التي تبرهن على أصالة النزعة الإنسانية في الثقافة الإسلامية، وبالشكل الذي يفوق أي ثقافة أخرى قديمة أو حديثة؛ على طريقة ما قام به الدكتور مصطفى السباعي في كتابه «من روائع حضارتنا» الذي خصص فيه قسماً عنوانه «النزعة الإنسانية» لكن ما ينبغي النظر إليه والتأمل فيه هو: هل تبلورت وتحددت فعلًا في ثقافة المسلمين قديمًا وحديثًا ما يمكن أن نصطلح عليه بالنزعة الإنسانية على طريقة النزعة الإنسانية التي تبلورت وتحددت في ثقافة الغربيين؟“.

والإشكالية كما يرى الأستاذ الميلاد، أننا لم نعط هذه المسألة كمسلمين الأهمية التي تتناسب مع دورها في ترسيخ فكرة النزعة الإنسانية، بالمقارنة مع ما فعله الآخرون من حيث الاهتمام الكبير والتأطير اللازم لإبراز هذه النزعة ”وقد تحولت عندهم هذه النزعة إلى مذهب فكري وفلسفي وأدبي يدرس ويعرف في الموسوعات والمعاجم المعرفية واللغوية والاصطلاحية وباتت تلك النزعة تقرن في العادة بالثقافة الأوروبية والتاريخ الأوروبي، وتعرف بأنّها طريقة في النظر إلى العالم بالتركيز على أهمية الإنسان، وعلى طبيعته ومكانته ومركزيته في الكون، واعتبار أن لكل شخص كرامته وقيمته، وقد مرت هذه النزعة بأطوار وتحولات؛ لكنها بهذا التركيب اللفظي والاصطلاحي تعود إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ إذ ظهرت أول مرة سنة 1808م كما يؤرخ لها في الدراسات الأوروبية“.

ولا شك أنّ بعض الكتاب والباحثين المعاصرين من العرب والمسلمين، كتبوا في هذا الجانب ربما كرد فعل على كتابات واهتمامات الباحثين الغربيين بهذه النزعة الإنسانية، وربما الباحث الجزائري محمد أركون، أول من أشار إلى مسألة النزعة الإنسانية عند العرب والمسلمين من خلال رسالته في الدكتوراه التي تحوّلت إلى كتاب «نزعة الأنسنة في الفكر العربي جيل مسكويه والتوحيدي ”، لكن أركون تراجع عن بعض ما قاله، تماشياً مع نزعته العلموية المتقاربة مع الرؤية الاستشراقية، وأسبابها معروفة، كما أشار إلى ذلك الأستاذ زكي الميلاد، بعدما تبعه بكتاب آخر سماه «معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية»،“ ومن بين هذين الكتابين ظهرت مفارقات أساسية، كشفت عن ملامح التطور والتغير في رؤية أركون إلى مسألة النزعة الإنسانية في المجال العربي والإسلامي".

لكن الكتابات التي انطلقت للرد على المزاعم الغربية والتي حصرت النزعة الإنسانية في الفكري الغربي، كانت محاولتين من مفكرين، كما يقول الأستاذ الميلاد ”المحاولة الأولى، هي محاولة الدكتور علي شريعتي الذي تطرق إلى هذه القضية في محاضرة معروفة له نشرت بعنوان «الإنسان في الإسلام» شرح في مفتتحها منطلقه في الحديث الذي جاء كرد على موقف الحضارة الغربية المعاصرة، والتي حاولت أن تميز رؤيتها إلى الإنسان عن رؤية بقية الديانات الكبرى التي عرفها المجتمع الإنساني، والتشكيك في رؤية هذه الديانات بقصد تفكيكها وانزياحها وحتى إطاحتها“

ويرى الميلاد أنّ شريعتي شرح موقف الإسلام من الإنسان من حيث الدور الإيجابي الذي جعله مسؤولاً أمام حركته في الحياة و”أنّ الإيمان بالإسلام والانتماء إليه يعني إعادة الإنسان إلى أصالته، ويعني كذلك اعترافًا بإرادته وفضائله؟ وهذا ما حاول شريعتي تأكيده والانتصار له“.

أمّا المحاولة الثانية التي جاءت من الباحث التونسي هشام جعيط فقد انطلقت كما يرى الميلاد من ردة الفعل على الكتابات الغربية، سواء البحثية الغربية، التي اعتبرت النزعة الإنسانية، نظرة غربية خالصة، ويرى هشام جعيط في هذه المحاولة التي ضمنها في كتابه «أزمة الثقافة الإسلامية» "أن المسلمين منذ أكثر من قرن لمّا رأوا الأوروبيين يحتقرون ثقافتهم ويتهمونهم بالجمود واللاعقلانية والتشبث بالخرافات الزائفة؛ قاموا بردة فعل قوية هدفها تبرئة الإسلام دينًا وثقافة. وبعد أن برزت كلمات جديدة مثل العقلانية والنزعة الإنسانية للغرب، والغيبية بالنسبة إلى الإسلام وفي إثر ذلك كما يقول جعيط جاء الحديث عن النزعة الإنسانية في الإسلام.

ومع تطابق حديث جعيط مع الرؤية الأوروبية، والسياق التاريخي لتطور وتشكل النزعة الإنسانية في الثقافة الأوروبية، لكنه لا ينفي وجود مثل هذه النزعة في ثقافات العالم الثالث".

وأشار الأستاذ زكي الميلاد إلى بعض الكتابات الأخرى التي ناقشت مسألة النزعة، والتي لا تخلو من الرؤية العلمانية المنحازة للرؤية الغربية، من أمثال صادق جلال العظم، وكذلك محمد أركون بعد تراجعه بعد صدور كتابه الثاني.

أمّا المحاولات التي اهتمت بالطرح الإسلامي كما أشار الأستاذ زكي الميلاد بعيدا عن الجدلية والقضايا الخلافية والحجاجيّة التي تدور حول هذه النزعة، ففي المحاولة الأولى، يعد د. مصطفى السباعي من الذين اهتموا بهذه المسألة، من خلال كتابه «من روائع حضارتنا»، حيث تطرق إلى النزعة الإنسانية في الحضارة الإسلامية في موردين؛ المورد الأول جاء عند حديثه عن خصائص الحضارة الإسلامية، وهو الحديث الأول في الكتاب؛ إذ اعتبر الدكتور السباعي أنّ النزعة الإنسانية هي ثاني هذه الخصائص، فالقرآن الذي أعلن حسب قوله وحدة النوع الإنساني رغم تنوّع أعراقه ومنابته ومواطنه في قوله تعالى في كتابه الكريم: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ «سورة الحجرات الآية 13 «

أمّا المحاولة الثانية، كما يشير الأستاذ زكي الميلاد، فكانت للدكتور يوسف القرضاوي في كتابه «الخصائص العامة للإسلام» إذ اعتبر أنّ الخاصية الثانية من خصائص الإسلام العامة بعد الربانية هي الإنسانية، وحسب رأيه أنّ الإسلام يمتاز بنزعته الإنسانية الواضحة الثابتة الأصيلة في معتقداته وعباداته وتشريعاته وتوجيهاته، إنه دين الإنسان".

كما تحدث المؤلف في بقية فصول الكتاب عن النزعة الإنسانية، في المجال الغربي، وكذلك القرآن الكريم والنزعة الإنسانية، والفكر الإسلامي وعلم الجمال، فكان طرح الأستاذ الميلاد طرحاً شاملاً وعميقاً لهذه القضية الفكرية والإنسانية، التي أحيطت بالسجالات الفكرية، وبالتحيّز تجاه بعض الأفكار، وتلك لا شك سنة كونية إلهية أن تختلف الآراء وتتعارض؛ لكن الحقائق لا يمكن محوها أو إقصاؤها.

كاتب وباحث من سلطنة عمان