آخر تحديث: 15 / 12 / 2019م - 11:57 م  بتوقيت مكة المكرمة

ماتخبىء لنا الأيام ”من حكم الإمام الجواد“

ورد عن الإمام الجواد : «الْأَيَّامُ تَهْتِكُ لَك الأمر عنَ الْأَسْرَارِ الكامنة» «نزهة الناظر وتنبيه الخاطر ص 137».

الحياة مدرسة تهبنا في كل يوم درسا لا نكتسبه بالمجان، والفكر الواعي يضيفها كرصيد خبرات وقناديل تضيء له المستقبل المجهول فلا يخاف حلول الظلام، فبالتأكيد هناك من الخفايا والأسرار ما يؤرقنا ويصيبنا بالدهشة لأول وهلة، ولكن يمكننا امتلاك الأدوات التي تثبتنا على أرضية مستقرة مهما كانت قوة الموقف المؤلم، فما هي تلك الأسرار المكنونة؟

تحرك الإنسان غريزة حب الاستطلاع والشغف بكشف خبايا الأحداث والمواقف لمعرفة تفاصيلها الدقيقة، وقد تتطاول النفس الأمارة بالسوء بالمرء - للأسف - لكشف المستور عن أسرار البيوت وخصوصيات الآخرين وعثراتهم، ولعل الأيام القادمة من عمر الإنسان خير وسيلة لمعرفة ما خبأه الزمان الماضي من قصص وأحداث وما تكتنفه من منعطفات مذهلة.

ولعل أهم سر تكشفه بل أخطرها هو أن الاهتمام بتفاصيل حياة الناس لا يعنينا من قريب أو بعيد ولا يمت لحياتنا بصلة، وقد أضعنا من الأوقات لتقصي الأخبار واستتباع ما وراء الكواليس بما نحن بأمس الحاجة إليه لنصرفه في تنمية قدراتنا.

امتلاك الحقيقة ليس بيد أحد إلا عند العالم بخفايا الصدور عز وجل، ومهما كان حذرنا وحيطتنا من الوقوع في شرك المتلونين من الناس والانخداع بالمواقف والأفكار المشبوهة، فإننا سنكتشف أننا خدعنا أكثر من مرة أو أخطأنا التقدير والحسابات، وعلينا إعادة قراءة الحدث من جديد تحت مجهر البصيرة.

ولكن المهم في كواشف الأيام هو ما تهبنا من دروس وعظات لم نكن نعرفها، ناتجة عن صعوبات أو صدمات عشناها واعتصرنا الألم منها، أو هي الأحداث من حولنا جعلتنا نتغير ونراجع ونصحح.

الإنسان ذلك المجهول في نفسه ومشاعره وخباياه ليس من السهل اكتشافه جزئيا فضلا عما نطمح إليه من إحاطة شاملة، فما من أحد منا لم تعصف به رياح الزمن العاتية فأقعدت بحجره مصيبة أو أزمة شلت قدراته التفكيرية، ولكن هل تعلم منها الهدوء والصبر وتحمل مسئولية الخروج من شرنقتها بما يمكنه من معالجات، فاتخذ هذا الأمر درسا له في كل مواجهة مستقبلية؟!

الكل يبحث عن راحة البال وتجنب الصدام العنيف مع الآخرين أو الوقوع في شرك الأزمات، ولكن ما ينبغي معرفته هو أن الحياة تلاوين من الأحداث الهادئة والعاصفة، والشمس المشرقة بالضياء لا تكون كذلك كل يوم، وعجلة الحياة لن تتوقف عند أحد، ولن تمسح السماء دمعة من جلس القرفصاء أو كتف يديه نادبا حظه، والأريب من اتخذ من الأزمات محطات اختبار لقدراته وعمل على زحزحة المشكلة نحو الحلحلة والانفراج دون كلل أو ملل، فهذه الخبرة في معالجة ما يواجهه من صعاب وعقبات والتي اكتسبها وتجلبب بها ستكون عونا مستقبليا له، فحتى وإن جهل ما يستقبله من تحديات وعثرات فإنه اتخذ في مواجهتها بعد الاتكال على الله تعالى الصبر والمثابرة ومكافحة الأخطار المحدقة به في المواقف والعلاقات.

الأمل بالله تعالى المتجدد شمس تشرق معه في كل يوم ولا تحجبها غيوم الأكدار، فلا للتشاؤم والضعف والإحساس بالتضاؤل أمام مشاكل تتحاذف عليه من هنا وهناك، إنه الأمل الذي توشح به على صدره الممتليء حيوية وشعورا بالاقتدار ما دام الله تعالى معه.

ألم اليوم هو بسمة الغد بما اكتسبه من قوة الجنان والقدرة على امتصاص المفاجأة والغضب، وأخذ زمام المبادرة والخروج من عنق زجاجة المشكلة بشكل جزئي وتدريجي حتى يصل إلى ساحل السلامة والنجاة.