آخر تحديث: 3 / 4 / 2020م - 12:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

التصدق بالخاتم قمة العطاء

ما الذي كرسه موقف وعطاء أمير المؤمنين من قيم إنسانية حضارية تهفو لها عقول وقلوب عشاق العطاء والتضحية بلا حدود، وذلك من خلال تصدقه بخاتمه على ذلك الفقير وبلسمة جراح الحرمان والبؤس عنه؟!

لقد خط أمير المؤمنين في ذلك اليوم خط العطاء والمشاركة الوجدانية بأعلى درجاتها، وأرسى قواعد المضامين العالية للصلاة والوقوف بين يدي رب العالمين في وقفة الخشوع والافتقار، فالعبادة ليست بطقوس جامدة لا تأثير لها على حياة الفرد ومجريات تصرفاته وعلاقاته، بل هي موجه أساسي في حركته نحو التكامل والتحلي بالصفات الحميدة والتجلبب بطلب رضوان الله تعالى وقربه والانقطاع إليه تعالى.

فمن تملكه الجشع والطمع والبخل وتبلدت أحاسيسه تجاه معاناة من حوله ولم يدر لهم بالا ولا اهتماما، فيا ترى: ما الذي تميز به وتفرد البخيل عن أولئك الذين يمتلكون القلوب النقية والأيادي البيضاء والمشاعر المرهفة الرقيقة تجاه عوز وحاجة الفقراء واليتامى؟

الجميع سيرحل عن هذه الدنيا الفانية ويقبع تحت حفر الأرض ولن يأخذ معه من الأموال غير قطعة الكفن فقط، وأما الاستثمار المتنامي والرصيد المتزايد والمدخرات الحقيقية هي فيما ينفعه في يوم الحاجة الحقيقية للشفعاء، وعطاء الإنسان في كل سبل الخير ورفع العوز وبلسمة آلام المحتاجين هو الرصيد الأخروي النافع.

وأما في الدنيا فالعطاء يحقق للفرد إنسانيته وسمو روحه بتنشيط مشاعره التي تشع حبا وإحساسا بألم من حوله، فيرى في تقديم المساعدة المعنوية والمادية سعادة لا توصف، وهل البخل والأنانية إلا أغلال تقيد نفسه عن الانعتاق وتبقيه ذليلا للمال وأسيرا لديه لا ينفك عنه!!

وحري بنا ونحن نحتفي بهذه الكناسبة أن نعزز ثقافة العطاء والبذل وبلسمة آلام المحتاجين، ونجعلها مفردة أخلاقية وقيمية تتداولها الأجيال المتلاحقة تأسيا بعطاء وإيثار الأولياء؛ لترسم صورة جميلة لشخصيته تمتاز بالقلب الطيب المشع بالمحبة والتحنان على الضعفاء، فلا يضيق صدره عن التخفيف عنهم بكلمة حسنة ولا تقصر يده عن مد يد العون والمساندة، إذ لا يعرف قيمة الأيادي البيضاء المعطاءة إلا من جعل روح التعاون والتكاتف مظلة يستمد منها سعادته، عرف ربه المنان المنعم على عباده بآلاء لا تحصى وفي كل يوم له تعالى شأن في رزقهم، فأراد أن يتخلق بصفات ربه فيجعل الكرم نبراسا له.

وهل تريد أن تشرف على عطايا وآثار روح العطاء التي يتحلى بها الكبار في نفوسهم وتسمو بها أخلاقهم؟

إن روح العطاء يصفي القلب من أدران المشاعر السلبية تجاه الآخرين لمجرد سوء تفاهم أو خلاف ينشأ مع أحدهم، وما تقطع العلاقات الأسرية والاجتماعية في إحدى نتائجها إلا بسبب وجود شخص يأسره حب المال والحرص عليه، فيعادي هذا ويحقد على ذاك ويحسد آخر فيتمنى الخير وسعة العيش لنفسه فقط.

وصفة الأنانية من صفات الشحيح الذي يقبض يده عن مساعدة الآخرين، فهمه مصالحه التي يتحرك لتحقيقها ولا يرهف سمعا لأنة وتأوه المتألمين.

وبلا شك أن مظلة التكافل والتكاتف الاجتماعي ورفع حالة الحرمان تقوي أواصر الإخوة والمحبة والتآزر بين أفراد المجتمع، فالابتسامة المرسومة على شفاه المحتاجين لا تحتاج إلى أكثر من قلب طيب يستشعر حاجة الآخر فيتحرك إلى التخفيف عنه.

والعطاء لا يقاس بقدر ما يبذل وحجمه وثمنه، بل تنبع مكانته من ذاك القلب الذي لا يتحمل رؤية محتاج فلا يتحرك لمعونته بأي وسيلة وبالقدر المتاح له، فما بذله أمير المؤمنين من الناحية المادية هو خاتم عادي من جهة ثمنه، ولكن قيمته العالية نشأت من عظمة المعطي ونجدته واستجابته الفورية لصوت ضعيف يسأل المساعدة.

ولعل ابتسامتك تكون عطاءا كبيرا من جهة إشاعة السرور والتخفيف من ضغوط الحياة المعقدة عن الآخرين.