آخر تحديث: 5 / 12 / 2019م - 10:10 م  بتوقيت مكة المكرمة

حماقة تسميم «النهر»

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة الاقتصادية

هناك من يسعى إلى وضع تفسير اقتصادي لما أجرته يد الغدر من ضرر على أهم منشآت نفطية في العالم، وليس من تفسير اقتصادي. هناك تفسير تخريبي لإسفاف يرمي إلى إلحاق الضرر بالعالم، فالعالم هو من سيتأثر تأثرا سلبيا يفوق - لمن لا يعلم - تأثر السعودية. وعلى الرغم مما نسمعه من لغط أن الولايات المتحدة أصبحت دولة مصدرة للنفط، ولم تعد في حاجة إلى نفط السعودية، إلا أن أسعار النفط تشهد ارتفاعا غير مسبوق منذ عقود - وهذا ما نشهده إثر الفعلة الشنيعة من استهداف المرافق النفطية في بقيق وخريص - فترتفع معدلات التضخم في الدول المستوردة للنفط، في فترة يعاني الاقتصاد العالمي ضعف النمو والتباطؤ، كان على وشك التعافي منه!

وعلى الرغم من أن المؤشرات - قبل العمل الإرهابي - تشير إلى أن الاقتصاد العالمي لن يقع فريسة الركود، إلا أنه لا يمكن تجاهل أنه كان في وضع للخروج من التباطؤ الذي يعيشه، فتقديرات صندوق النقد الدولي الحديثة تقول إن معدل نمو الاقتصاد العالمي المتوقعة لعام 2019 قد يصل إلى 3,2 في المائة، وهو أقل مما تحقق في عام 2018 ”3,6 في المائة“. وكان المؤمل أن يتحسن في عام 2020 ليصل إلى 3,5 في المائة. ولأشهر عدة كان الشغل الشاغل للاقتصاديين تتبع التأثير السلبي للحرب التجارية الأمريكية - الصينية، التي قد يتفاقم أثرها لتبتلع ما قد يصل إلى 1 في المائة من معدل نمو الاقتصاد العالمي، وكذاك تتبع تخرصات ”بريكست“ على اقتصاد بريطانيا والاتحاد الأوروبي. وكما نعلم، فالاقتصاد الأوروبي هو الحلقة الضعيفة في الاقتصادات المتقدمة من حيث معدل النمو الهش، الذي يقل عن 2 في المائة. والآن، أتى خطر الإرهاب العالمي بأحمق صوره، يستهدف المرفق الأهم لإتاحة الطاقة للعالم، ليجعل حياة الناس أصعب في بقاع شتى من العالم.

أعود لأقول، إن ليس ثمة تفسير اقتصادي لهذه الهجمة الإرهابية إن كان يستهدف وطننا؛ فمن عانى الضغط في جبهات القتال، قرر أن يستهدف مرافق تبعد مئات الأميال ليلحق أذى بالعالم! لنتمعن جيدا، بأن تبعات هذه الحماقة - ولا أقول الجرأة - ستنعكس وبالا على مرتكبيها، والسبب أنهم قاموا بهذا الفعل عن سبق إصرار وترصد؛ لتخريب أهداف غير عسكرية، غير عابئين بتبعات حماقتهم على البيئة ولا على الاقتصاد العالمي. وإن كان تسميم الآبار والأنهار في الحروب القديمة من الأفعال الوضيعة التي تقوم بها الجيوش المهزومة ميدانيا وأخلاقيا، إلا أن استهداف مرافق بقيق وخريص يتجاوز تسميم الأنهار بفارق كبير؛ فهو استهداف ”للنهر“ الذي يضيء الظلام، ويبدد السكون، ويدفع آلة الإنتاج، ويحرك المركبات، ليس في السعودية فحسب، بل في العالم أجمع.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار