آخر تحديث: 20 / 10 / 2019م - 2:46 م  بتوقيت مكة المكرمة

متراجحات الكتاب المحلي

أثير السادة *

صديقنا في الجوار هنا، محمد الحسين، أطل علينا بالأمس عبر مقطع فيديو ليبشر الحائرين بأقلامهم بأن حلمهم بالتأليف أصبح حقيقة، وهذه الدعاية الكلاسيكية تحمل في طياتها الكثير من التشويق والترغيب للتسجيل في دورة يحضر لها بهذا الشأن، دورة تعنى بشرح خطوات التأليف والنشر على السواء.

ولأن الشيء بالشيء يذكر، هكذا يقولون، سأتذكر حوارنا القصير يوم أمس مع الصديق الشاعر غسان الخنيزي، على هامش قرقعة الصحون، حيث الحديث عن رغبات النشر التي تنتهي إلى مزيج من تجارب جيدة وأخرى رديئة، بعضها تهرب به ألعاب التسويق إلى منصات الضوء، والبعض الآخر يبقى أسير الإعلان المتكرر: الكتاب متوفر في بسطة حسن ومكتبة الصفار!.. هنالك حلقة مفقودة في صناعة الكتاب، بل لعلها حلقات، تجعل من مهمة النشر لأي كاتب مستجد بعيدة المنال، أو في أحسن الأحوال تجربة محبطة، فالذي يجتهد لكتابة منجز ابداعي أو علمي، هو يطمح حتما لأن يتجاوز حدود الدار، ويبلغ آفاقا أرحب وأوسع، ليستقر بعمله في أرفف المكتبات العربية، وما يجري هنا أن لعبة النشر تنتهي إلى أن يعرض الكاتب كتابه لدائرة ضيقة، لا تتجاوز حدود بلدته ومحافظته!.

محاولات الحسين في بيع أسرار النشر للراغبين فيها، ومثلها محاولات السيد عباس الشبركة في احتضان كل المحاولات وتمريرها للمطابع، لا تكفي لسد تلك الحلقات المفقودة، فنحن أمام عملية إنتاج يعوزها الكثير من التنظيم والوضوح وقبل ذلك الجدية والصرامة، فما أكثر الكتاب المحليين الذين لاذوا بدور نشر عربية لا لشيء إلا لقدرتها على الوصول إلى أبعد نقطة في خارطة الكنز العربية، وتحملوا تكاليف عالية، وفي خاتمة المطاف لم يقبضوا شيئا، تصبح كل الاتفاقيات حبرا على ورق حين السؤال عن المردود من بيع الكتب، فيكتفي الكاتب منهم بأخبار الدار التي تشير إلى صدور الطبعة الثانية والثالثة والرابعة، وهي طبعات قد لا تتجاوز المائة أحيانا!.

هنالك اليوم الكثير من الأعمال الناضجة التي تستحق أن تنفتح على القارئ العربي وتصل إليه، كمنتوج إبداعي وفكري وعلمي، وهنالك مثله من الأعمال التي تستحق البقاء في مستودعات الكتب، وحتى لا تنتهي حملات التشويق لكتابة الكتب ونشرها إلى فائض من الثرثرة المصفوفة في كتاب، يلزم أن تكون لكل دار نشر وجهة راعية للكتاب جهة استشارية، تراجع وتدقق وتوجه، تقبل وترفض، وبعد ذلك آلية أنتاجية واضحة تحفظ الحقوق، وتصون العلاقة مع الدار الناشرة التي ستكون مخولة بتوزيع الكتاب وجمع عوائد بيعه.

نحن بحاجة إلى رفع سقف الحلم للكتاب في هذه الجغرافيا، وسقف التحدي أيضا، فلا نريد نجاحا تسويقيا لكتاب ردئ، كما لا نريد كتابا مهما يسافر بين أيادي الأصدقاء فقط.. لنعيد للنص الإبداعي والعلمي احترامه، ونرسم خارطة طريق ليعانق كل كاتب جاد أعمدة النور في شوارع النشر.

وبس.