آخر تحديث: 19 / 1 / 2020م - 1:22 م  بتوقيت مكة المكرمة

الاستفزاز.. الغباء

محمد أحمد التاروتي *

يحاول البعض استفزاز العديد من الشرائح الاجتماعية، من خلال اثارة بعض القضايا العقدية، او المسائل الخلافية بطريقة غبية للغاية، اذ يتعمد اطلاق المواقف بشكل غير منطقي، وأحيانا بأسلوب اقرب للطفولة، منها للنضوج العقلي، الامر الذي يكشف جانبا من التفكير السطحي، او الخواء المعرفي، نظرا لتناول تلك القضايا بشكل اشبه ”بالجهل“ منها بالمعرفة، مما يعطي الطرف الاخر مساحة واسعة من التكهم، وعدم الالتفات لتلك الاستفزازات غير العقلانية، وبالتالي فان التفكير الطفولي او المراهقة الثقافية، ليست مدعاة للانخراط في حقول الألغام العقدية، او مناقشة القضايا الخلافية.

الغباء يمثل السمة البازرة لدى فريق ”التفكير الطفولي“، فهو يستند لمجموعة مفردات، او محفوظات جاهزة لممارسة الاستفزاز، والاصطدام المباشر مع الشرائح الاجتماعية، الامر الذي يسهم في ”تعرية“ ذلك الفريق، والسقوط المدوي، بمجرد الالتفاف على تلك المفردات ”المعلبة“ التي يتغنى على الدوام، وبالتالي فان ”السطحية“ الواضحة تتكشف بشكل صريح عند المناقشة الجادة، او المناظرة في المحافل العلمية، نظرا لعدم وجود قاعدة معرفية حقيقية، قادرة على الصمود في وجه المناظرة العلمية.

ممارسة الاستفزاز ليس دليلا عن وجود ”حجة دامغة“، او قدرة على إعادة رسم التفكير الاجتماعي، في القضايا الجوهرية، وانما ينطلق الاستفزاز أحيانا من دوافع ذاتية، وليست إصلاحية، الامر الذي يفسر الانهزامية، او الانعزالية في معالجة تلك القضايا، اذ تدار في الصالونات المغلقة في الغالب، ولا تطلق في الهواء الطلق، مما يجعل الأهداف الموضوعة لتلك الاستفزازات غير واضحة، او محل تساؤل في الغالب، وبالتالي فان امتلاك القدرة على الاستفزاز، ليس مرتبطا بالقدرة على المعالجة، وانما محاولة اثارة الرأي العام لأغراض ذاتية، ”لغاية في نفس يعقوب“.

التحرك الجادة لمعالجة القضايا الخلافية ظاهرة صحية، ولكنها تتحول الى ظاهرة ”استفزازية“، وغير مقبولة على الاطلاق، بمجرد انطلاقها من عناصر ”مشبوهة“، او تحمل تناقضات أساسية في النظرة للاتجاه السائد اجتماعيا، وبالتالي فان الدعوات لممارسة ”النقد“ الذاتي ليست حقيقية، وانما تتخذ كغطاء للولوج في المجتمع بطريقة ”ناعمة“، مما يستدعي دراسة الأهداف المعلنة لمعالجة القضايا الخلافية، او المسائل العقدية، بمعنى اخر، فان الدعوات الصادقة تكون موضع ترحيب في الغالب، ولكنها تبقى موضع شك، بمجرد انطلاقها من اطراف تحمل شعارات استفزازية، في تناول الملفات العقدية، او القناعات الفكرية السائدة.

الافتقار للقدرة على التفكير، احدى السمات البارزة، لدى فريق ”التفكير الطفولي“، فالقاعدة المشهورة تقول ”فاقد الشيء لا يعطيه“، تمثل الأساس للنظرة تجاه التعاطي، مع فريق ”التفكير الطفولي“، نظرا لوجود قصور كبير في القدرة على العطاء، او انتهاج الأسس العلمية، والموضوعية في المعالجة الحقيقية، فالعملية لا تعدو عن كونها استفزازات بالدرجة الأولى، باعتبارها الوسيلة في لفت الانتباه، انطلاقا من مبدأ ”خالف تعرف“، وبالتالي فان الفشل في تصدر المشهد الاجتماعي، يدفع لاتخاذ الطريقة ”الاستفزازية“، لاحداث صدمة كبرى، مما يحقق جزء من الأهداف المرسومة، لدى فريق ”التفكير الطفولي“.

هناك فرق كبير بين الغباء الذي يمتاز به بعض الأشخاص، و”التفكير الطفولي“، فالاول مرتبط ببعض القدرات العقلية، الامر الذي يقود لاستمرارية السقوط في الكثير من الأمور، فيما الثاني ينطلق من القناعات التامة بامتلاك المعرفة، والقدرة على التجديد، بيد ان تلك القناعات سرعان ما تتلاشى، بمجرد الجلوس في المحافل العلمية، وبالتالي فان المرء مطالب بوضع ضوابط لتفادي السقوط في المجتمع، ”رحم الله امرئ عرف قدر نفسه“، ”المرء حيث وضع نفسه“.

كاتب صحفي