آخر تحديث: 11 / 8 / 2020م - 12:57 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المبالغة.. الاساءة

محمد أحمد التاروتي *

ينقلب المديح الخارج عن المألوف الى إساءة للممدوح، اذ يحاول ”المادح“ التملق بطريقة فجة للغاية، مما يحدث حالة من النفور والاستهجان لدى المتلقي، لاسيما وان عملية المدح تمارس بطريقة ”بهلوانية“ او ”تهريجية“، فالمدح عندما يكون واقعيا يجد أصداء إيجابية، وقبولا لدى المتلقى، فيما تكون النتائج عكسية بمجرد اطلاق الاوصاف غير المستساغة، والتي لا يتبادر انطباقها الا على فئة قليلة للغاية، ولديها مقومات وصفات خاصة ليست متاحة للجميع.

محاولة اظهار المحبة او التفاني في الممدوح، ليس مدعاة لاستغفال الاخرين، ومحاولة سلب العقول، عبر إشاعة بعض العبارات، غير المقبولة على الاطلاق، لاسيما وان المديح الذي يخرج عن الاطار المتوازن يتخذ مسارا اخر للغاية، ”احثوا في وجوه المداحين التراب“، الامر الذي يتطلب وضع ضوابط، وعدم الإبحار في سماء الخيال، عبر استدعاء جميع الألقاب غير الواقعية، ومحاولة الصاقها بطريقة خاطئة في الممدوح.

المشكلة تكمن في دخول اطراف ”طفيلية“، للانخراط في لعبة ”المديح“، من خلال وضع تصورات خيالية وغير معروفة مطلقا، مما ينعكس سلبا على مسيرة ”الممدوح“ في الحياة، فالبعض يحاول ركوب الموجة بطريقة ممجوجة وغير مقبولة، بحيث يحدث حالة من الاستغراب والاستهجان، نظرا لعدم الالتزام بالقواعد الأخلاقية، الحاكمة في القراءة الدقيقة لممارسات البشر، فالصداقة او المحبة ليست مدعاة للتعاطي بطريقة غير متوازنة، لاسيما وان القواعد الأخلاقية تفرض اختيار المسميات، وكذلك قصر بعض الألقاب على شرائح ذات مكانة رفيعة، في الوجدان الإنساني، مما يستدعي حفظ اللسان، وعدم التحدث بطريقة غير مسؤولة.

يمكن تبرير المبالغة أحيانا بطغيان الجانب العاطفي، على النظرة العقلانية، لاسيما وان المرء يمر بمرحلة ضعف، وحالة من الانبهار بأحد الأطراف، مما يدفعه لاتخاذ المدح وسيلة للتعبير عن التعاطف الكبير، بيد ان الاستمرار على منهجية المديح على الدوام، يكشف حالة من النرجسية، وعدم التوازن العقلي أحيانا، خصوصا وان الانسان يستعيد الكثير من التوازن مع النضوج العقلي، واكتساب التجارب الحياتية، وبالتالي فان الافتقار للقدرة على التفريق بين المعقول واللامعقول، مشكلة تتطلب علاجا جذريا في البنية الفكرية، وأحيانا في التفكير المنطقي، بمعنى اخر، فان حالة الضعف المرحلية يمكن تجاوزها من خلال التفكير المتوازن، عوضا من الانجراف وراء العاطفة الجارفة.

اكتشاف المبالغة في المديح، لا يحتاج الى الكثير من الجهد، او محاولة الدخول في معركة صعبة، فالعملية لا تتطلب سوى المقارنة بين السيرة الحياتية، للممدوح ومجموعة الألقاب والمسميات، التي يحاول ”المادح“ إدخالها بطريقة غير متوازنة، من اجل خلق حالة ”ملائكية“ غير موجودة على الاطلاق، خصوصا وان التاريخ لا يرحم جميع الشخصيات، التي تحاول تزييف الواقع، ومحاولة تبيض صفحات البعض، على حساب الحقيقة، وبالتالي فان النظرة الملائكية تبقى محصورة في عيون البعض، ولكنها ليست قادرة على اختراق عقول الاخرين، لاسيما وان الهالة المخملية التي ترسم سرعان ما تتلاشى، بمجرد وضعها على المشرط من لدن أصحاب التفكير العقلاني.

تجلب الألقاب والمسميات غير الواقعية، للممدوح في كثير من الأحيان الإساءة، فعوضا من رفعه الى عنان السماء، فانه ينزل عيون الاخرين الى الحضيض، نظرا للممارسات غير المقبولة للأطراف المادحة، الامر الذي يستدعي من الممدوح التصدي لمثل هذه المبالغات، والتحرك السريع لقطع الطريق امام انتشارها، نظرا لما تمثله من تداعيات سلبية على مستقبله الاجتماعي، وتحطيم صورته لدى الكثير من الشرائح الاجتماعية، وبالتالي فان المدح الصادر من اطراف ”بهلوانية“، تخرج عن مسارها الصحيح، لتدخل في مسارات مضحكة، او أحيانا ”مسرحية“.

كاتب صحفي