آخر تحديث: 5 / 12 / 2019م - 10:10 م  بتوقيت مكة المكرمة

صندوق الرمل

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة الاقتصادية

كم أتمنى أن يكون المشروع الأول الذي يتبناه ”الصندوق الوطني للتنمية“، وعلى الرغم من أنه مظلة تشمل عددا من الصناديق التنموية الحكومية المتخصصة، هو مشروع ”صندوق الرمل“. ولن نجد أفضل من الرمل صديقا، هو رفيقنا في البراري والقفار والشطآن. لكن استخدامه هنا مجازي، حيث إنه مرن يساعد على بناء الشيء وإعادة بنائه مرات ومرات. إذا هو صندوق للخربشات وللتفكير وللتجربة ولبناء مجسمات صغيرة لأفكار كبيرة. أما الكلمة الأولى من عبارة ”صندوق الرمل“ فهي في سياقنا هذا تعني صندوق أموال. وهكذا، فالحديث هنا عن صندوق مالي يدعم الخربشات!

وعلى الرغم من أهمية الصناديق التنموية القطاعية، التي أدت دورا محوريا في التنمية الاجتماعية والنمو الاقتصادي للعقود الأربعة الماضية، وبالتأكيد ما برح لها دور تمارسه في الحاضر والمستقبل، لكنها وعلى الرغم من ضرورتها إلا أنها غير كافية. فهذه الصناديق التنموية تقدم إجمالا بعيدة المنال عن أصحاب الأفكار التي لم تكتمل، هي صناديق بالإجمال تعمل وفق منهجيات تقييم تقليدية، أما ”صندوق الرمل“ فهو صندوق لاحتضان الأفكار غير الناضجة بما يسهم في إنضاجها إن كانت أهلا لذلك، فقد تسقط في نصف الطريق وتتلاشى، وبالمقابل قد تتجسد تلك الأفكار منتجات وخدمات عملاقة.

لكن صندوق الخربشات لا يمكن أن ينجح إن قرر أن يتخذ سمة تقليدية صارمة القالب، حادة التقاطيع. إذ لا بد أن يفتح صندوق الرمل أبوابه لكل قاصد، بل ينبغي أن يكون صندوقا بلا أبواب. وهناك من سيقول نحن لا نحتاج إلى صندوق رمل بل إلى مسرعة أو حاضنة مشاريع. أقول لا، ما نحتاج إليه هو صندوق رمل يتيح الفرصة كاملة لأبنائنا وبناتنا في أنحاء البلاد كافة لتجربة أفكارهم والسعي إلى نقلها من فكرة تدور في عقل خيالهم إلى حقيقة تمشي على الأرض دون أن يحصي أحد لهم كم مرة فشلوا وكم مرة نجحوا، فهو في نهاية المطاف صندوق للخربشات، أي بيئة مرنة للاختبار توصلك إلى ما تريد عبر منهجية تجربة الفشل والنجاح.

وقد تكون هذه البيئة، كما توحي التسمية، منحازة للترميز والبرمجة، ولا بأس في ذلك، فالعالم سائر لا محالة لتصبح البيانات المحرك الأهم والمورد الأثمن. لنفكر مليا في صندوق الرمل هذا، ولنحققه دون إبطاء، فلعله سيفجر طاقات ذهنية يافعة تجلب لهذه البلاد أمجادا وأموالا، وتمكن زرافات من أبنائنا من تحقيق ذواتهم بعيدا عن الحلم المقولب حول ”الوظيفة الميري“.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار