آخر تحديث: 19 / 1 / 2020م - 1:22 م  بتوقيت مكة المكرمة

الخصومة.. الأسلحة

محمد أحمد التاروتي *

يمارس الأعداء مختلف أنواع الأسلحة، في سبيل الانتصار، او لتفادي الهزيمة، انطلاقا من مبدأ ”الحرب خدعة“، مما يفتح الباب امام الاستعانة بالوسائل المتاحة أحيانا، والمحرمة تارة أخرى، نظرا لاختفاء المبادئ الأخلاقية في الكثير من المعارك المصيرية، الامر الذي يفسر الانتقال من مرحلة قتالية لاخرى اكثر عنفا، جراء اكتشاف احدى الأطراف قدرة الخصم، على امتصاص الهجمات، وفشل جميع محاولات كسر الإرادة، او رفع رأية الاستسلام، مما يستدعي وضع استراتيجية جديدة لتضييق الخناق، واجباره على الاستسلام، والإقرار بالهزيمة.

الأسلحة المستخدمة في الصراعات تختلف باختلاف الحقبة الزمنية، فهناك الكثير من الأسلحة تلاشى دورها في الحروب، ولم تعد قابلة للاستخدام على الاطلاق، نظرا للتطور الكبير في اختراع الكثير من الأسلحة، القادرة على الفتك، والحاق الأذى بالعدو، الامر الذي يستدعي التفكير على الدوام، في إيجاد الاليات المناسبة، لحسم الموقف خلال فترة قصيرة، وبالتالي فان الجمود على استخدام أسلحة محددة، لا ينسجم مع التطور الإنساني، والاختراعات الكبيرة خلال العقود الماضية.

تمر الخصومة على اختلافها بمراحل، واطوار متعددة، فالمرحلة الأولى تتسم بالمناوشات الكلامية، واشتعال المعارك الإعلامية، اذ يحاول كل طرف استخدام الأدوات الإعلامية، في نشر غسيل الطرف المقابل، نظرا لوجود خصومة شديدة قائمة، مما يستدعي البحث الدائم عن نقاط الضعف، او الهفوات الصغيرة، بهدف تضخيمها على نطاق واسع، سواء لأغراض اجتماعية لتوسيع القاعدة الشعبية، او من اجل فضح الطرف الاخر، وبالتالي فان المرحلة الإعلامية تمثل احدى الوسائل المعروفة، في مختلف الخصومات، نظرا لما تمثله من أهمية كبرى لدى مختلف الأطراف، فالطرف الذي يفتقر لادوات الإعلامية، يخسر الكثير من النقاط على الصعيد الاجتماعي، جراء سيطرة الخصم على المشهد الإعلامي.

الكذب المستمر ومحاولة تزييف الحقائق، احدى ملامح الحرب الإعلامية المستعرة، في الخصومات القائمة، اذ يعمد اطراف الصراع لاختلاق القصص الزائفة على الدوام، او محاولة استقطاب بعض الأصوات لنسج القصص الكاذبة، بهدف استخدامها في الخصومة الكبيرة على الصعيد الداخلي، والخارجي، الامر الذي يفسر التركيز على الاحداث الصغيرة، ومحاولة رصد جميع تحركات الخصم، من اجل تصيد بعض الأخطاء، ومحاولة ترتيب قصص خيالية عليها، عبر الاستعانة بخبراء يمتلكون قدرة واسعة، على نسج الأكاذيب على اختلافها، وبالتالي فان الكذب الواضح يمثل السمة المشتركة في الكثير من الصراعات القائمة، مما يستدعي التريث كثيرا قبل التسليم بصحة تلك القصص الهادفة، للإطاحة بالخصم لتحقيق الانتصار.

السلاح النفسي يمثل احد الأسلحة المعروفة، في الكثير من الخصومات، اذ يحاول كل طرف الاستفادة من العنصر النفسي لدراسة التحولات الجارية لدى الخصم، خصوصا وان تحطيم النفس خطوة أساسية لتحقيق النصر، نتيجة انخفاض القدرة على المقاومة وسلب إرادة الصمود، حيث تبدأ الحروب النفسية في التصاعد التدريجي مع اشتداد الخصومة، الامر الذي يفسر الكثير من القرارات ذات العلاقة بطبيعة ردود أفعال الطرف المقابل، فهذه القرارات تحاول قراءة الصدمة والانفعالات لدى الخصم، لاتخاذ الخطوة القادمة، بهدف الدفع باتجاه الاستسلام واختصار زمن المعركة، لاقل فترة ممكنة، نظرا للاثار الاجتماعية المترتبة على طول فترة الخصومة، سواء على صعيد فقدان التأييد في القاعدة الشعبية، او فقدان الوهج الإعلامي المصاحب للمعركة، لاسيما وان المعركة تبدأ بقوة جراء الحملة الإعلامية الضخمة، ولكنها سرعان ما تتراجع جراء طول فترة الخصومة، الامر الذي يستدعي اتخاذ الإجراءات الكفيلة بتقليص فترة المعركة، ومحاولة الحسم خلال سقف زمني محدد.

الخصومة ليست مبررا على الدوام، في التنازل عن المثل الأخلاقية، فالخصومة لا تعني الفجور في جميع الاعمال، لاسيما وان هناك قواعد إنسانية، تفرض انتهاجها في مختلف الظروف.

كاتب صحفي