آخر تحديث: 19 / 10 / 2019م - 8:16 ص  بتوقيت مكة المكرمة

قبل فوت الشباب

ياسين آل خليل

إذا كنت من مواليد الخمسينات أو قبلها، فأقرب احتمال أن والديك لا يجيدان القراءة أو الكتابة لأنهما لم تتح لهما فرصة التعلم. أنت تُعتبر من المحظوظين جدًا، إذا تنبه أحدهما لك وأدخلك المدرسة، أو في أقل تقدير سلمّك لأحد الكتاتيب في ذلك الوقت لتتعلم شيئًا من كتاب الله الحكيم. ‏والدك كان يكدح ليل نهار ليوفر لقمة العيش الكريم لك ولبقية الأسرة، كذلك الحال مع والدتك هي الأخرى، مشغولة في تربية الأولاد والقيام بمهام المنزل من طبخ وتنظيف وغيرها من أعمال.

‏الحديث مع الوالدين، في تلك الأيام كان مقتضبًا جدًا، فلم تكن عند أي أحد منهما الدراية الكافية، أو التنبؤ بما سيحدث في المستقبل، حتى يتحدث به مع أبنائه ويوجه لهم النصح الذي يمكن أن يفيدهم في قادم الأيام والسنين.

‏الأغلبية من الناس عادة لا تأخذ الوقت الكافي لتتَخيل كيف سيكون عليه المستقبل، لأنهم لم تكن لديهم تجارب سابقة في الغوص في غمار المجهول وتحليلها والخروج باستنتاجات يتعلمون منها أهمية هذه العملية المحاسبية في حياة الإنسان. السواد الأعظم من المجتمع يخرصون أن الأمور ستبقى على ما هي عليه الآن، في المستقبل القريب والبعيد. فهم بكل بساطة، يعيشون كل يوم بيومه، وإرجاء أعمال الغد إلى ما بعد مطلع شمس اليوم التالي، أما المستقبل فله رب يتكفل به.

‏فقط ارجع الى الوراء عشر سنوات وانظر إلى التحولات التي مررت بها شخصيًا، هل كانت نظرتك للحياة هي ذاتها؟ هل ما زلت تمارس نفس الهوايات وتحمل نفس الرؤى والتطلعات؟ إرجع إلى ألبوم صورك وتمعن في كل صورة، وقارنها مع ما تبدو عليه اليوم، هناك فرق شاسع، أليس كذلك؟ حتى هندامك قد تغير، نمط حياتك قد طرأ عليه الكثير من من التحول والتغيير. الواقع كل شيء من حولك قد تغير، حتى طعامك هو الآخر لم يبقى على حاله!

أمر لا جدال فيه، نفسك الحالية والمستقبلية هما شخصيتان مختلفتان. لكي تنجح حقًا في شيء ما، عليك أن تريده حقًا. كل يوم يأتي عليك تحتاج إلى المزيد والمزيد من تعزيز ذاتك والثقة بنفسك. انخراطك في الأنشطة والسلوكيات التي تتعلق بشكل مباشر وغير مباشر بما تريده، يزيد من هذه الرغبة. سلوكك يشكل هويتك المستقبلية التي تحمل مواصفات السعادة التي كانت تتشكل في مخيلتك وتتطلع مستبشرًا لتحقيقها. ها أنت الآن، وقد عقدت العزم على تنفيذ بعض مشاريعك الحياتية الممتدة من طفولتك، والمستمرة معك إلى أن تبلغ أرذل العمر، كن واثقًا بأن الله معك، وأنه سيكون في عونك.

حالتك العاطفية والنفسية عليها أن تواكب رؤيتك المستقبلية، لذلك لابد أن يكون لديك شيء ما تفعله، وشئ ما تتطلع إليه، وأحدٌ ما تحبه، يكون لك عونًا في معترك حياتك القادمة، المليئة بالمخاطر والمفاجآت. بلورة عواطفك وأهدافك ورصد توقعاتك، كل هذا لا يكفي، إذا لم تكن النتائج مرضية من بدايتها وعلى امتداد خط الرحلة. إذا كانت تحركاتك وخططك لا تنبئ عن غرض ما يشغلك في كل ساعة تقضيها من هذه الرحلة الطويلة، فهناك ما يدعوك للقلق على مستقبلك.

قبل فوت الشباب، فكر كيف ستكون عليه حياتك بعد خمس سنوات من الآن، إذا لم تجد شيئًا مثيرًا يدفعك لاتخاذ قرارات استراتيجية واقعية، واضحة المعالم، تجعلك من نقطة الهدف أقرب وأسرع، فأنت بحاجة إلى إعادة هندسة خططك وتفكيرك، والإنطلاق من جديد، لكن هذه المرة بعزيمة ويقين، بأن القادم سيحمل الكثير من الخير. الكيفية التي تكون عليها بداياتك، تخبرك الكثير عما ستكون عليه النهايات، فابدأ بقوة وثبات، لكن مع وضع النهاية في مخيلتك.