آخر تحديث: 10 / 8 / 2020م - 1:31 م  بتوقيت مكة المكرمة

‎الفهلوة.. الدجل

محمد أحمد التاروتي *

يمارس البعض الدجل على البسطاء، كنوع من أنواع الذكاء والفهلوة، من خلال استغلال تواضع الثقافة من جانب، والاستفادة من المعتقدات الخاطئة من جانب اخر، الامر الذي يسهم في صعود نجم الدجالين بصورة غير مسبوقة، نتيجة الاستفادة من بعض الثغرات، وأحيانا الجهل للمرور في المجتمع، الامر الذي ينعكس بصورة مباشرة على الوقوع في فخ الاحتيال، والنصب بصورة غير مسبوقة.

عملية السيطرة على العقول ليست سهلة، ولكنها ليست مستحيلة، فالدجالون يحاولون الابتعاد عن المناطق الواعية، والتركيز على المجتمعات البسيطة، من خلال التلويح ببعض الحلول، والإمكانيات الخارقة، لتحقيق بعض الاعمال الصعبة، حيث تبدأ العملية بالسيطرة على اللا وعي، لدى بعض الشرائح الاجتماعية، نتيجة تزامن حدوث بعض النجاحات المحدودة، مما يدفع الدجالين للاستغلال هذه النجاحات، لفرض المزيد من السيطرة، الامر الذي يتمثل في ”سلب“ التفكير بطريقة غير مفهومة، وأحيانا بطريقة ساذجة للغاية.

التلاعب في المسميات يمثل احدى الإشكاليات القائمة، فالبعض يحاول الابتعاد عن المسميات الحقيقية، عبر تحريف ”الكلم عن مواضعه“، بغرض تحقيق مآرب خاصة، وكذلك لدفع تهمة الدجل بالدرجة الأولى، بحيث يعمد الدجالون لاطلاق مسميات ”فضفاضة“، للحصول على المديح والثناء، ومحاولة رفض مختلف اشكال التشكيك، او الاتهامات المباشرة، نظرا للتداعيات المترتبة على انكشاف زيف تلك الادعاءات، والممارسات غير الأخلاقية، التي تمارس بطريقة ”سرية“، وبعيدة عن الأنظار.

العمل في الظلام يمثل احد علامات الاستفهام، تجاه مثل هذه الممارسات، فالمرء الذي يمتلك الإمكانيات والقدرات الخارقة، يعمل تحت الشمس، وفي وضح النهار، فيما الممارسات غير السليمة تتخذ طابع الخوف، والتستر خلف الأبواب المغلقة، نظرا لوجود الكثير من الاعمال غير القانونية، غير المفهومة لدى الجميع، اذ لا يمكن تصور صدور اعمال شرعية بعيدة عن الأنظار، بخلاف الأنشطة المحظورة التي تتخذ من ”الظلام“ ساترا دائما للعمل.

استغلال البسطاء ليس دليلا على الذكاء في الغالب، بقدر ما يكشف بساطة الأطراف الأخرى، فالدجالون يخشون التعامل مع أصحاب الفكر، او حملة الشهادات، نظرا لصعوبة اختراق هذه الشريحة في الغالب، لاسيما وان الدجالين يحاولون تمرير بعض الممارسات بطريقة ”غريبة“، وغالبا بأسلوب اشبه بالكذب، واستخدام بعض الحركات غير المستساغة، مما يجعل الشريحة الواعية ترفض تلك الاعمال، باعتبارها خارج السياق الطبيعي، ولا تنسجم مع التفكير العقلاني السليم.

امتلاك القدرة على اختراق بعض العقول، لا يمثل نجاحا باهرا، وقدرة على الاستمرار، فالدجل مصيره السقوط في النهاية، لاسيما وان الدجال يحرص على استخدام الكثير من الطرق، لتفادي السقوط المدوي، الامر الذي يمثل محاولة التخفي عن الأنظار بين فترة وأخرى، اذ يتحرك بشكل سريع للتعامل مع شرائح جديدة، بعد الحصول على بعض المكاسب الجديدة، وبالتالي فان محاولة قلب المسميات لا يجدي نفعا على الاطلاق، نظرا لوجود ثغرات كثيرة قادرة على إعادة التوازن مجددا، بحيث تضع النقاط على الحروف بصورة جلية.

عملية السقوط مصيرية في مختلف اعمال الدجل، فالاخطاء الجسيمة تمثل نقطة البداية نحو انكشاف الحقائق، لاسيما وان الفشل في تحقيق بعض الأمور ”الخارقة“، يدفع باتجاه إعادة الحسابات مجددا، مما يدفع للتحرك باتجاه سبر الأمور عن كثب، لإزالة الرؤية الضبابية المسيطرة على عقول بعض البسطاء، وبالتالي فان الهلفوة التي تمارس في الغالب مرتبطة باطماع شخصية، للسيطرة على بعض الشرائح الاجتماعية، عبر ترويج بعض الادعاءات الكاذبة، لاستقطاب بعض الناس، بطريقة مباشرة او غير مباشرة.

يبقى الدجل وسيلة ”رخيصة“ للتلاعب باعتقادات بعض البشر، فهناك شرائح اجتماعية لديها قناعات راسخة، في قدرات البعض لتحقيق المعجزات، التي تتجاوز القوانين الطبيعية الحاكمة في الحياة.

كاتب صحفي