آخر تحديث: 19 / 1 / 2020م - 11:27 ص  بتوقيت مكة المكرمة

مقياس النجاح

محمد أحمد التاروتي *

تختلف النظرة للنجاح تبعا للاثار المترتبة على العمل، فهناك اعمال تظهر اثارها سريعا، وتحصد النتائج بصورة فورية، مما ينعكس إيجابيا على الأطراف الداعمة، اوالرعاية لها، فيما توجد اعمال تتطلب فترة زمنية لتثمر، مما يتطلب الكثير من الصبر، ومحاولة مواصلة الجهد، لتزويدها بعوامل البقاء، لتقف على ارجلها، بهدف قطف ثمار تلك الجهود لسنوات طويلة، وبالتالي فان مقياس النجاح مرهون بطبيعة كل عمل، فاذا كانت من الاعمال السريعة او الفورية، فان مرور السقف الزمني دون حصد الثمار، يمثل نكسة قوية وبحاجة الى إعادة ترتيب الأوراق، للتعرف على الأسباب الكامنة وراء الإخفاق، فيما تكون الأمور مغايرة تماما بالنسبة للاعمال ذات النفس الطويل، فهذه النوعية بحاجة للرعاية الدائمة لمنع سقوطها، او اندثارها عبر المزيد من الجهد المتواصل.

القفز على المراحل يكشف قصور في الرؤية، ويسهم في القضاء على الاعمال بصورة سريعة، فالمرء مطالب باتخاذ الخطوات المتتالية، وعدم انتهاج حرق المراحل كاستراتيجية ثابتة، خصوصا وان التدرج يحدث اثرا إيجابيا في انضاج الأمور، مما ينعكس على اخراج الاعمال بالصورة المثالية، وبالتالي فان التحرك غير الواعي والمعتمد على التسرع، تظهر نتائجه في إصابة الاعمال بمقتل، بمعنى اخر، فان محاولة حصد الثمار السريعة ”مرض“ يصاب به البعض، فيما انضاج ”الطبخة“ امر مطلوب للحصول على الثمر الناضج، والمفيد على الصعيد الشخصي، والاجتماعي في الوقت نفسه.

النظرة الاجتماعية لمدى نجاح الاعمال، ليست مقياسا على الدوام، خصوصا في ظل افتقار المجتمع للكثير من الحقائق، المتعلقة بطبيعة تلك الاعمال، الامر الذي يستوجب من أصحاب العمال التحلي بسعة الصدر، وعدم اتخاذ مواقف سلبية تجاه النظرة الاجتماعية، خصوصا وان البيئة الاجتماعية تقرأ الأمور وفقا للظواهر، وليس على دراية كاملة بالخفايا، وبالتالي فان محاولة اتخاذ مواقف عنيفة تجاه المجتمع، لا يخدم بقدر ما يسهم في تعقيد الأمور كثيرا، ”زيادة الطين بلة“ كما يقال، فالمطلوب وضع الأمور في النصاب الصحيح، ومحاولة امتصاص الوضع بشكل عقلاني، بهدف السيطرة على الوضع، وعدم خروجه عن السيطرة، بصورة غير مقبولة.

التحرك وفق منهجية واضحة، وامتلاك القراءة الدقيقة، والدراسة الوافية للاعمال، عناصر أساسية لتجاوز الصعاب، والخروج بنتائج سليمة، سواء على الصعيد الاجتماعي او الصعيد الشخصي، فهناك العديد من الاعمال التي تشهد شد وجذب من الأوساط الاجتماعية، نتيجة اختلاف وجهات النظر من جانب، والخشية من التأثيرات السلبية على الواقع الاجتماعي، مما يدفع للتسرع في اتخاذ المواقف السلبية، نظرا لوجود شرائح الاجتماعية غير قادرة، على استيعاب الأمور بشكل عقلاني، الامر الذي يساعد في اتخاذ المواقف السريعة، وغير المتوازنة على الاطلاق، لاسيما وان الأمور تتطور بشكل دراماتيكي بين لحظة وأخرى، مما يفرض انتهاج سياسة المجاملة، او المحاورة للتعرف على الأمور، وعدم اتخاذ الطريق الصدامي، مع البيئة الاجتماعية.

النجاح مرهون بتذليل جميع الصعاب، وعدم التوقف امام بعض المطبات الآنية، لاسيما وان الإحباط يقتل ”العزيمة الراسخة“، ويقضي على المشاريع في مهدها، وبالتالي فان عدم الاستمتاع للأصوات المشككة، او غير الداعمة امر مطلوب في الأوقات، بيد ان تغافل الانتقادات لا يعني الضرب بها عرض الحائط، فالمرء العاقل يحاول الاستفادة من الانتقادات، في تصحيح بعض المسارات الخاطئة، لاسيما وان الرؤية تكون في بعض الأحيان غير واضحة، مما يستدعي الاستفادة من أصحاب الخبرة في إزالة ”الضبابية“، للانطلاق على ارض صلبة، للوصول الى الغايات المرسومة.

مقياس النجاح لا يرتبط بالنظرة الشخصية للامور، وكذلك ليس مرهونا بقراءة المجتمع، " يَا هِشَامُ لَوْ كَانَ فِي يَدِكَ جَوْزَةٌ وَ قَالَ النَّاسُ فِي يَدِكَ لُؤْلُؤَةٌ مَا كَانَ يَنْفَعُكَ وَ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا جَوْزَةٌ وَ لَوْ كَانَ فِي يَدِكَ لُؤْلُؤَةٌ وَ قَالَ النَّاسُ إِنَّهَا جَوْزَةٌ مَا ضَرَّكَ وَ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا لُؤْلُؤَةٌ".

كاتب صحفي