آخر تحديث: 10 / 8 / 2020م - 2:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

‎التمرد.. الساحة

محمد أحمد التاروتي *

يفتقد التمرد للغطاء الشرعي، او المباركة الاجتماعية في الغالب، سواء كان التمرد بغرض الإصلاحي الديني او الأخلاقي، ”فما كان جواب قومه الا ان قالوا اخرجوا آل لوط من قريتكم انهم أناس يتطهرون“، او التمرد على العادات والقواعد الاجتماعية السائدة، ”الشاردة للذئب“ و”يد الله مع الجماعة“، وبالتالي فان عملية التمرد تتطلب قدرة استثنائية لمواجهة الضغوط الاجتماعية العديدة، لاسيما وان الحرب القائمة بين الطرفين لا تتخذ شكلا واحدا، وانما تنتقل من من أسلوب لاخر تبعا لمراحل الصراع.

عملية التمرد ليست سهلة على الاطلاق، باعتبارها الخروج عن المألوف، والعمل على الوقوف في وجه التيار الاجتماعي الجارف، سواء كانت عملية التمرد الداخلة في الاطار الإصلاحي، او ”الكفر“ بالعادات الاجتماعية المتوارثة ”إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ“، وبالتالي فان الطريق في مواجهة المجتمع طويلا، ومحفوفا بالمخاطر، والكثير من التحديات، سواء على الصعيد الشخصي، او الصعيد الاجتماعي.

التصادم المباشر مع المجتمع يحتاج إرادة قوية، وإمكانيات ذاتية، لا تتوافر لدى الجميع، خصوصا وان الشعور بالنفور من البيئة الاجتماعية، تترك اثارا كبيرة على النفس، مما يدفع البعض للتراجع، واعلان ”التوبة“ في منتصف الطريق، نظرا لانعدام القدرة على مواصلة الطريق الصعب، ومواجهة الشرائح الاجتماعي الرافضة للسير وراء مثل هذه التحركات ”المتردة“، اذ توصف في الغالب بانها ”مغامرة“ او ”انتحارا“، مما يتطلب الوقوف امام الحركات المتردة، بمختلف الوسائل لاعادة التوازن للمجتمع مجددا.

حرب الإرادة والعض على الأصابع، تشكل احد اشكال الصراع القائم بين ”المتمرد“ والبيئة الاجتماعية، فكل طرف يحاول تسجيل النقاط على الطرف الاخر، من خلال التحرك باتجاه استقطاب المزيد من القواعد الشعبية، بهدف سحب البساط من تحت اقدام الطرف المنافس، وبالتالي فان محاولة توجيه الضربة القاضية، تمثل الهدف الاستراتيجي لاطراف الصراع في مختلف المراحل، نظرا لخطورة تنامي ظاهرة ”التمرد“ في البيئة الاجتماعية، مما يستدعي استخدام الوسائل الرادعة، لاسكات الأصوات المتمردة بشكل نهائي، فيما المتمرد يسعى لتفويت الفرصة على المجتمع للقضاء على حركته، نظرا للتداعيات المترتبة على اخراج التمرد الاجتماعي، من الساحة بشكل نهائي.

التمرد على المجتمع لا يمثل نهاية التاريخ، باعتباره حركة مألوفة في مختلف المجتمعات البشرية، فالانسجام التام والتسليم الكامل، ليس واردا لدى العديد من الفئات الاجتماعية، مما يدفعها للثورة على تلك العادات الاجتماعية السائدة، خصوصا وان التطور الفكري والإنساني يدفع باتجاه مراجعة بعض القواعد المتوارثة، بحيث تقود الى اعلان ”التمرد“ على الثقافة السائدة، باعتبارها مرتكزات لا تقوم على أسس ثابتة، مما يستدعي إيجاد اطر قادرة على استيعاب، بعض التطورات القائمة، بمعنى اخر، فان الوقوف بوجه التمرد يمثل الخيار المتاح لايقاف التمدد في البيئة الاجتماعية، لاسيما وان القضاء على التمرد ليس مضمونا في الغالب، فهناك الكثير من الحركات المتمردة استطاعت الصمود، في وجه التيار الاجتماعي الجارف، جراء الخطاب المغاير الذي يستقطب العديد من العناصر الاجتماعية.

الساحة الاجتماعية تمثل حلبة الصراع القائم، فالتمرد لا يجد أصداء مع غياب القاعدة الشعبية، الامر الذي يفسر الحرب المستمرة بين ”المتمرد“ والبيئة الاجتماعية، نظرا لادراك كل طرف بأهمية استقطاب الساحة، باعتبارها السلاح الفعال لتحقيق الانتصار، ومقاومة شتى أنواع الضغوط، من لدن أصحاب النفوذ، وبالتالي فان، ان التمرد يبقى فاقدا للشرعية في مختلف الاشكال، سواء على الصعيد السلبي او الإيجابي، فكل تحرك يجد مقاومة ورفضا بطرق مختلفة، وأساليب متعددة.

كاتب صحفي