آخر تحديث: 24 / 1 / 2020م - 7:06 م  بتوقيت مكة المكرمة

الثقافة.. الموقف

محمد أحمد التاروتي *

يختلف موقف المثقف عن الجاهل، نظرا لما يمتلكه من قدرة على تمييز الأمور، وترجيح احد المواقف على الاخر، فكلما ارتفع شأن الانسان كلما عظمت المسؤولية الملقاة على عاتقه، ”اذا ظهرت البدع في امتي فليظهر العالم علمه“، وبالتالي فان السكوت في الأوقات الحرجة يترك تداعيات سلبية على البيئة الاجتماعية، نظرا لما يحظى به المثقف من احترام وتقدير، باعتباره ”قدوة“ وامتلاكه معرفة ليست متاحة للجميع، مما يعني ان السكوت يمثل ”الرضا“ او الموافقة لدى الجميع، لاسيما وان الموقف المحايد في الأوقات الصعبة، ليس مطلوبا على الاطلاق، ”الساكت عن الحق شيطان اخرس“.

ينطلق المثقف من المناخ السائد في تحديد الموقف المناسب، خصوصا وان الانجرار وراء الضغوط الاجتماعية يكون مغامرة كبرى، فالعاطفة لا تجر سوى الويلات والكثير من الدمار، مما يستدعي تحكيم الموازين العقلية، ومحاولة التعرف على التداعيات المرتبطة بالموقف قبل اتخاذه، فهناك الكثير من المواقف تكون اثارها تدميرية على البيئة الاجتماعية، بحيث لا تقتصر على شريحة معينة، مما يستدعي ضبط النفس ومحاولة تحمل الانتقادات اللاذعة، وبالتالي فان المثقف مطالب بتحكيم الأمور، وعدم الخضوع وراء الضغوط العاطفية، خصوصا وان المواقف العاطفية لا تنظر للامام، بقدر ما تحصر الرؤية في المرحلة الراهنة.

موقف المثقف مطلبا لدى الشرائح الاجتماعية، اذ تبرز المطالبات بمواقف النخبة المثقفة، في المحطات المفصلية، او المراحل الانعطافية التي يعيشها المجتمع، فالمجتمعات تشهد فترات عصيبة وتحولات كبرى على الصعيد الداخلي، جراء بروز بعض الازمات الحادة، مما يفرض تصدر النخب الثقافية المشهد لتحديد المسار، وعدم ترك الأمور لانصاف العلماء لقيادة القواعد الشعبية، ”ما جادلت جاهلا الا وغلبني وما جادلت عالما الا وغلبته“، وبالتالي فان موقف النخب الثقافية امر مطلوب في الأوقات العصيبة، باعتباره شمعة لاضاءة الطريق امام الناس، لتجاوز الازمات الصعبة، مما ينعكس إيجابيا على المعالجات المناسبة، لتطويق تلك الازمات والخروج باقل الخسائر.

الاستجابة السريعة للموقف للضغوط الاجتماعية، ليست مطلوبة على الاطلاق، ولكنها ليست مرفوضة على الدوام، فهناك أزمات طارئة تستدعي التدخل السريع عبر اتخاذ الموقف الصريح، والمناسب، لاسيما وان السكوت يمثل هروبا وعدم تحمل المسؤولية تجاه البيئة الاجتماعية، انطلاقا من مبدأ الحقوق والواجبات الملقاة على عاتق المثقف تجاه البيئة الحاضنة، بينما تتطلب بعض الازمات التريث وعدم الاستعجال، بهدف الإحاطة بجميع الأمور، ومحاولة الخروج بموقف اكثر عقلانية، بعيدا عن الضغوط العاطفية التي تحمل في طياتها الكثير من التداعيات غير المحمودة، وبالتالي فان محاولة امتصاص ”الغضبة“ الاجتماعية حركة مطلوبة، في التعاطي مع الازمات الأكثر تعقيدا، بخلاف المشاكل البسيطة التي لا تحتاج الى الكثير من التريث والدراسة.

القدرة على إيصال الموقف بطريقة مناسبة، خطوة ضرورية لتفهم البيئة الاجتماعية، فهناك العديد من الشرائح الاجتماعية غير قادرة، على استيعاب بعض المواقف المغايرة للضغوط الاجتماعية، مما يدفعها لاطلاق الاتهامات، واتخاذ مواقف عدائية، نتيجة الافتقار للمعلومات المتعلقة بطبيعة، وأسباب المواقف المغايرة للمطالب الاجتماعية، الامر الذي يستدعي من النخب الثقافية محاولة النزول الى الشارع، لتفسير المواقف المعاكسة، من اجل امتصاص المواقف العدائية من جانب، والحصول على التأييد لشعبي من جانب اخر، خصوصا وان ترك الأمور مبهمة لا يخدم بقدر ما يسهم في توسيع الفجوة، بين القواعد الشعبية والنخب المثقفة في المجتمع.

يبقى موقف المثقف محط اهتمام البيئة الاجتماعية، بيد انه لا يحظى بالتأييد الكامل، نظرا لاختلاف التوجهات وتعدد القناعات، تجاه مختلف الازمات والقضايا الاجتماعية، ”رضا الناس غاية لا تدرك“، وبالتالي فان احداث حالة من التوازن، وكذلك محاولة تفهم المواقف المنتقدة، عوامل أساسية في اخراج الأمور عن عنق الزجاجة.

كاتب صحفي