آخر تحديث: 3 / 4 / 2020م - 12:28 م  بتوقيت مكة المكرمة

إطلالة على سيرة الإمام الرضا (ع)

لقد تحدّث عن زهد الإمام الرضا محمّد بن عباد حيث قال: «كان جلوس الرضا على حصيرة في الصيف، وعلى مسح - الكساء من الشعر - في الشتاء، ولباسه الغليظ من الثياب حتى إذا برز للناس تزين» «عيون أخبار الرضا ج 2 ص 178».

من أهم القضايا التي تحدد شخصية الإنسان والعناصر المكونة لها وطريقة تسييره لحياته وعلاقاته هي النظرة المادية، فهل يشكل الحصول على المال في حياتك آلية تعمل على توفيرها لحاجاتك الأساسية، أم أنها غاية تبدي استعدادا للعمل عليها وبذل الجهود والأوقات من أجلها طيلة حياتك؟!

نحتاج إلى تبصرة وتبيان من حياة العظماء الذين انتخبهم الباري وهم صفوة الخلق في كينونتهن وتعاملهم وعطائهم، وحري بنا أن نقف مع هذا النص المختصر والذي يشير إلى حياة الإمام الرضا البسيطة، إذ تختفي منها علائم البذخ والإقبال على الدنيا وجمع الثروات، بل شكلت سيرته نموذجا يحتذى به في كيفية إدارة حياتنا وترتيب الأولويات والأهداف التي تستحق كل جهد وإرادة.

لقد شكلت المنظومة الأخلاقية للإمام الرضا مدرسة تنهل منها الأجيال المتعطشة للسير نحو الكمال وقوة الشخصية والرشد الفكري، إذ أن أهل الدنيا وطلابها لا تحركهم إلا الشهوات والشغف بالمظاهر المادية وجمع الأموال، ولا يورثهم ذلك إلا خسران الدارين جراء فهمهم الخاطيء لحقيقة الوجود في الحياة، وأما التعامل الصائب فيقوم على فهم لوجودنا والدور المناط بنا من رب العالمين، فلا الدنيا بدار الخلود حتى يجمع المرء طوال عمره ويرحل عنها فجأة خالي الوفاض، ولا المظاهر المادية بالتي تصنع جناح الرفعة والعلياء للإنسان، بل جوهره البهي يتسامى ويعلو بالقيم الأخلاقية والتعامل الحسن مع الآخرين، فالطمع مذلة وأسر للنفس ومتى ما انعتقت من أغلاله جادت بالخير والعطاء.

والإمام الرضا لم يختلف حاله يوما عن صفة الزهد والإعراض عن عشق متاعها الزائل وترك اللهث الدائم خلف زينتها، وهو ما يعطي انطباعا عن تلك المعادن الأصيلة التي لا تستخفها عروض الدنيا، بل يتخففون منها ويأخذون منها بقدر حاجتهم وأقل.

وما بين أيديهم من مال يجعلونه سبيلا لتخفيف ألم الحاجة والعوز عن الفقراء؛ لتشكل سيرة الإمام الرضا درسا في فهم حقيقة الدنيا وكيفية التعامل مع ما يقع بين اليدين من مال، فلا يملك منه الإنسان إلا ما ستر به عورته ووفر به مستلزمات الحياة الكريمة لأهله، وجاد به عطية يجعله ذخرا ورصيدا أخرويا.

وهذا النص الذي يتحدث عن شخصية الإمام الرضا في أحد جوانبها يكشف عن مجمع للفضائل المتجسدة في وجوده النوراني، فقد وهبهم سبحانه المنزلة العالية بما احتوته كينونتهم من كمالات فاقوا بها كل موجود، وهذا هو الرابط الولائي ووجه التأسي بهم من المقتدين بهم، فالانتساب لهم يعني التخلق بأخلاقهم وأفعالهم التي تمثل دستورا يسير عليه المؤمن ولا يبتعد عنه قيد أنملة، ويفهم فهما خاطئا من أحبهم بقلبه وخالفهم في أفعاله فالفخر الحقيقي بالمقاربة من خصالهم وعطائهم.

فمن صفات الإمام الرضا البساطة في العيش فلم يفرش له الوفير من القماش والغالي من الحرير، بل سار بسيرة جده المطفى وأبيه المرتضى وأمه فاطمة الزهراء في الزهد في الدنيا وعكوف الهمة على معالي الأمور ومكارم الأخلاق والتقرب من الله تعالى بالطاعات، وفي ذلك تربية للنفس بألا تخدع وتغر بشيء من الحطام الزائل، كما يحصل من البعض من أصحاب النفوس الضعيفة والذين تستخفهم الثروات والحظوات المميزة لهم من ذكاء ومستوى علمي والوجاهات الاجتماعية، فينظرون للآخرين بعين الازدراء والاستصغار والتكبر مما يخلق فروقا طبقية ويستنبت الأحقاد والكراهيات في قلوب المحرومين، ولكن الإمام الرضا يربينا على التحكم بنوازع النفس وقطع العلائق بالشرور والطغيان، من خلال سياسة النفس بالتواضع وبساطة العيش لا كما يحاول المتكبرون فرضه من جعل المظاهر الباذخة معلما مميزا لهم على الآخرين.

وتواضع الإمام الرضا وبساطة عيشه لا تنطوي على أي صورة من صور المهانة ورثاثة الثياب، بل كان يظهر بأجمل مظهر من التزين والثياب المناسبة بلا إسراف ولا تبذير، فتكون البساطة في العيش بألا يجعل المرء قيمته بثيابه وساعته وقلمه وسيارته غالية الثمن، وإنما قيمته في جوهره وأخلاقه وكرامته وتحرره من أغلال الشهوات، ومن علامات الحرية رفض إقبال الدنيا بكل زخارفها إلا ما يستر عورة الإنسان وما يلزمه من مستلزمات الحياة الكريمة دون أن يتعلق قلبه بحطام الدنيا.