آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 7:26 م  بتوقيت مكة المكرمة

جودُ السنابل

جاءُ فصلُ الخريف وارتخت قبضةُ القيظِ قليلاً، فرميتُ في الأرضِ حباتٍ وبذور، وبعد أيامٍ اخضرت وكبرت وكل حبةٍ جاءت بحباتٍ من الثمرِ والحب. وعندما رويتُ الأرضَ بالماءِ نبتَ ما تساقط فيها من حبوبِ الخريفِ الماضي. نظرتُ جمالَها فجالَ في فكري: ياترى ما هي أكرم مخلوقاتٍ تعطي دونَ تعبٍ ودونَ منة؟ لابدَّ أنها الأرضُ والشمسُ والماءُ والسنبلةْ! سبحانكَ يارب! الناسُ تعطي وتموت فينقطع العطاء لكن موتَ السنابل أكثر عطاءً من حياتها، أفليست إذاً هي والشمس والأرض والماء أكرم من كثيرٍ من الإنسان؟ وكما قال الشاعر محمود درويش:

نيرونُ ماتَ، ولم تمت روما
بعينيها تقاتل
وحبوبُ سنبلةٍ تجف
ستملأ الوادي سنابل

يقال إن أحدَ ملوك الهند أهديت لة لوحةٌ وكان مرسوماً عليها حقلُ قمحٍ وعلى إحدى سنابلِ القمحِ يقف عصفور فأُعجب الملك وحاشيته باللوحةِ وأمر بتعليقها فوقَ عرشه وأعطى راسمها جائزةً قيمة وقرَّبه وجعله من أهلِ خاصته. كان كل من يدخل القصرَ ويرى اللوحةَ يمدحها ويهيم في جمالها ودقة رسمها. وفي إحدى الأيام والملك جالس كان من بين الحضورِ فلاحٌ كبير السن رث الثياب فتقدم بين الحاضرين حتى وقف أمامَ الملك فقال: أيها الملك رعاكَ الله إنَّ اللوحةَ التي فوق رأسكَ فيها خطأٌ كبير! ذهل الملك واغتاظَ ولكنه كتم ما به وأحبَّ أن يعرف ماهو الخطأ الذي لم ينتبه لة هو وحاشيته وكل من رأى اللوحة، فقال للفلاح: وماهو الخطأ فيها برأيك؟ قال الفلاح: إن السنبلةَ التي يقف عليها العصفور ليست مائلة، ونحن نرى عندما يقف العصفور على السنابلِ في الحقل فإنها تميل من ثقل العصفور، تنحني عطفاً على العصفور وتدعوه ليأخذ من حباتها ما يشاء، ولكن السنبلة المرسومة على اللوحة مستقيمةٌ ليس فيها من ميلان. تنبه الملكُ ومن حوله للخطأ الفادح وأمر بإنزالِ اللوحة واستعادَ الجائزةَ من الرسامِ وأعطاها الفلاح يزرع السنابلَ المائلة.

تقول العرب في الفرقِ بين السَّخاءِ والجُود: أنَّ السَّخاء هو أن يلينَ الإنسان عند السُّؤال، ويسهل مهره للطَّالب، مِن قولهم: سَخَوت النَّار أسخوها سخوًا: إذا ألينتها، وسَخَوت الأديم: ليَّنته، وأرضٌ سَخاوِيَّةٌ: ليِّنة.

والجُود كثرةُ العطاءِ مِن غير سؤال، مِن قولك: جادت السَّماء، إذا جادت بمطرٍ غزير، والفرس: الجَوَاد الكثير الإعطاء للجري.

طوبى لمن أعطى ومالَ جوداً وكرماً أكثر من السنبلة! هم في الدنيا كانوا وما زالوا قلة والباقون إن أعطوا فذوو منةٍ وعلو. كتب التاريخُ أنَّ الحسنَ بن علي كان من أجودِ السنابلِ البشرية وحكي في جوده الكثير:

جاءَ أعرابي يوماً سائلاً الإمامَ الحسن فقال الحسن: ”أعطوهُ ما في الخَزَانة“، فَوُجِد فيها عشرون ألف دينار، فدفعها إلى الأعرابي، فقالَ الأعرابي: يا مولاي، ألا تركتني أبوحُ بحاجتي، وأنشر مِدحَتي؟ فأنشأ الإمامُ يقول:

نَحنُ أُناسٌ نَوالُنا خضلُ 
يرتع فيه الرجاءُ والأملُ
تَجودُ قبل السؤالِ أنفسنا
خوفاً على ماءِ وجهِ مَن يَسَلُ
لو علم البحرُ فَضلَ نائلنا
لغاصَ مِن بعد فيضِهِ خَجَلُ

مستشار أعلى هندسة بترول