آخر تحديث: 19 / 1 / 2020م - 1:22 م  بتوقيت مكة المكرمة

التغيير.. المجتمع

محمد أحمد التاروتي *

حركة المجتمع تنطلق في الغالب من تأثيرات خارجية وداخلية، حيث تختلف درجات التأثير تبعا لمدى الاستجابة سواء كانت هامشية او جذرية، الامر الذي ينعكس على الانعطافة التدريجية او الكبرى، اذ تشهد بعض المجتمعات تغييرات هائلة في غضون سنوات قليلة، فيما تكون محدودة وغير ملموسة لدى مجتمعات أخرى، مما يعكس مدى المقاومة لتلك التأثيرات الخارجية، والضغوط الداخلية.

امتلاك الثقافة الراسخة احد العناصر الأساسية، وراء محدودية التغييرات في المجتمع، الامر الذي يمنع من الركض غير الواعي خلف بعض التأثيرات الخارجية، نظرا لوجود قناعات جذرية بضرورة تكريس الواقع، وعدم التخلي عن المكتسبات التاريخية، مما يدفع باتجاه الوقوف بحزم امام مختلف التحولات الكبرى على الصعيد الخارجي، بحيث يبقى المجتمع بعيدا عن الانعطافات الجوهرية او الهامشية، وبالتالي فان الثقافة مصدر مقاومة كبرى في سبيل المحافظة على الكيان الذاتي، وعدم التفريط بالموروث التاريخي، الامر الذي يجعله قادرا على تصدير التأثيرات للخارج، عوضا من استقطاب التموجات الخارجية.

التغيير الاجتماعي عملية ”ضرورية“، وأحيانا ”مرفوضة“، فهناك تغييرات منسجمة مع التطور الفكري، والثقافي في المسيرة الإنسانية، مما ينعكس إيجابيا على الحركة البشرية، واستمرارية مسيرة النهوض، بحيث تقود الى مواصلة النهضة العلمية، ورفض الركون الى الأسفل، والتشبث بالماضي، خصوصا وان التطور الإنساني يستدعي النظرة الدائمة للامام، ومحاولة الاستفادة من الإمكانيات، بما يحقق العمارة والرفاهية للمجتمعات البشرية، فيما يكون التغيير مرفوضا وغير مقبول على الاطلاق، بمجرد اتخاذه مسار معوج عبر السير بعكس التيار النهوضي، ورفض المسيرة العلمية بشتى اشكالها، من خلال التمسك بالماضي، وعدم فتح الطريق امام العقول لتفجير الطاقات، وتسخير الإمكانيات بما يخدم الإنسانية، ”إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ“.

الرغبة القوية بالتغيير تمثل المفتاح الأساس، باتجاه التحولات الكبرى الاجتماعية، لاسيما وان المقاومة تشكل صخرة صلبة يصعب تحطيمها بسهولة، مما يعرقل الكثير من مشاريع التغيير المرسومة، فهناك العديد من التحركات الصادقة وجدت صعوبات كبرى في طريقها، مما دفعها للتراجع او الانزواء قليلا، من اجل التقاط الانفاس وكذلك بهدف إيجاد موطئ قدم، لتقبل تلك التحركات الهادفة للتغيير، فيما لا تجد بعض المجتمعات صعوبة في التأقلم مع التحولات الكبرى، نتيجة وجود الأرضية الصالحة في البيئة الاجتماعية، الامر الذي يتمثل في الانعطافة الكبيرة، خلال فترة وجيزة للغاية.

النظرة الإيجابية للتغييرات الاجتماعية، تلعب دورا أساسيا في سهولة اختراق الوعي الاجتماعي، لاسيما وان المقاومة الشديدة تنطلق من المخاوف من التداعيات الكبرى، على البينة الاجتماعية، مما يدفع لاتخاذ الموقف المضاد، والرافض منذ اللحظات الأولى، ”الناس أعداء ما جهلوا“، وبالتالي فان إزالة الغمامة السوداء التي تخيم على رؤوس المجتمع، تحدث اثرا كبيرا في التعاطي مع تحركات التغيير، الامر الذي يساعد في سرعة الإنجاز، وقطع أشواطا كبيرة في غضون فترة قصيرة، نظرا لوجود قابلية لاحتضان تلك مساعي التغيير، نتيجة الايمان الكبير بالجدوى من الدخول في مسار التغيير، على الحركة الجمعية في المراحل اللاحقة.

القدرة على توجيه الحركة الاجتماعية، تمثل التحدي الحقيقي في عملية النهوض الشاملة، فالتغيير ليس هدفا بقدر ما يمثل وسيلة لقطع الطريق، باتجاه لاستغلال الطاقات والكفاءات الاجتماعية، وبالتالي فان وجود برامج قادرة على استقطاب تلك العقول، ومحاولة رسم طريق واضح، يدفع باتجاه تحقيق الغرض من التغيير الاجتماعي، بمعنى اخر، فان عملية توجيه التغيير نحو البناء الذاتي للفرد، والنهوض الجمعي امر بالغ الأهمية، نظرا لما تمثله هذه العملية من انعكاسات، على الحركة الجمعية في مختلف المجالات.

كاتب صحفي