آخر تحديث: 30 / 9 / 2020م - 6:53 م  بتوقيت مكة المكرمة

منى الراحة

في معظم المرات التي أغلي فيها الماء أو اللبن أترك حجماً فارغاً من الوعاء يغلي فيه السائل دون أن يفيض. يسبقني السائل في الفيضان من الوعاء فأسأل نفسي أين ذلك التمرين والتدريب النفسي الذي تعلمته في ستينَ سنة؟ الكل ينصحني أن أنظر للقسم المملوء وألاَّ أنظر للقسم الفارغ الذي لو كبرته قليلاً ما فاض الماء واللبن! لو اعتنيت بالجزء الفارغ لم يكن لزاماً علي أن أتحمل عبئ ما يفيض خارج الإناء.

حدثت نفسي اليومَ بجمال قيمة ما نراه الجزءَ الفارغ في حياتنا، وكم هو مهمٌّ وضروري في وصولنا إلى أهدافنا وكأنه قاطرة نحو الارتقاء في الحياة وبعد الحياة. النصف الفارغ من معدتي هو ما يحبب لي الأكل ويطيبه، وخوفي من الألم هو ما يبعثني على الإعتناء بالوعاء ”الجسد“، ونصفي الفارغ من قاعِ رأسي يدفعني نحو مزيدٍ من المعرفة، وكذلك كلما اعتبرناه نصفاً فارغاً من المآسي والسلبيات كان درجات ترفعنا في الحياة.

هذه المشاعر ”السلبية“ هي التي زرعت فينا الرغبة في الحياة، فماذا لو اعتمدنا على واقعية الجزء المليء ولا حاجة لما فوقها، فهل يكفي المشي عن الركض لأن المشي حركةٌ بين السكونِ والركض!؟ هراءٌ أن نعتقدَ أن في الحياة شيئ اسمه النصف المليء، بل هي درجاتٌ من النقصِ دافعةٌ نحو الكمال. الإناء ليس فارغاً إلا من منظورنا القاصر الذي لا يبصر ما له صفة فيزيائية تمنع من رؤيتها مثل ”الهواء“ الشفاف الذي يملأ ما نظنه الفراغ.

سلبيةُ الخوف من النصفِ الفارغ في اليوم الآخر هي التي خلقت الكثيرَ من الموحدين والمؤمنين، فلو كان نصف الكوب المليء هو الجنة، والفارغ لا شيء سوى الموت، من المؤكد أن أغلب الناس سوف يكتفي بمتعةِ الدنيا والعدم في الآخرة، لكن اقتضت الحكمةُ أن يكون النصف الفارغ السلبي هو النار. بل ربما كان الدافع السلبي النار والحسرة والندم التي تصيب النفس من ألمِ عدم الحصول على الجائزةِ واللذة أقسى من العذابِ الجسدي، فكيف إذا اجتمعت كلها؟!

الغزل في النصف المملوء من وعاء الحياة يعطينا صبغة الجمال والبلاغة في أن نصفَ القناعة والزهدَ والرضا في ما هو موجودٌ ونراه، لكن الحقيقة تكمن في كيف نصل إلى حالةِ النوعِ الواحد من السائلِ الذي يملأ الإناء، هواءً أو ماء؟ أما إذا كان النصف الفارغ يعني تعب الحياة فهو من لوازمها ولن يطرده أن نعتقدَ أننا فقط ننظر في السلامة والراحة ويزول التعب. لن يطرد تعب الدنيا وشقاءها إلا العمل على التغيير وإن عجزنا عن الإعتناء به تبقى جائزة الجهد عندما نقرأ: «قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ? لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَ?ذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ? وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ? إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ» [الزمر: 10].

نظرَ الإنسانُ عبر التاريخ إلى ما ليس لديه فاخترعَ وأبدعَ وتعلمَ وانتقلَ من مكانٍ لآخر، ولم يقل يوماً أن القوسَ والوترَ يكفيان للصيد وحكُّ الحجر بالحجر يُشعل النار فلا مزيد، بل عملَ واجتهد. هكذا تطور حين تمعن في النصفِ الفارغ من حياته، وهكذا ينجو في آخرته.

مستشار أعلى هندسة بترول